لكأنما صنوان يلتقيان، يتزامنان في الرحيل والأحزان، يتقاسمان بعضَ الورد، بعضَ الدمع، والآيات، والأشجان...، يتِّحدان!. يا أيها الفنان، يا قمحةَ الفقير، يا تفاحةَ الثرِيِّ، يا عربيُّ، يا وطنيُّ، يا خلاصةَ الإنسان: من قال إن الموت حين يجيء لا يجدد الأحزان؟ لا يثقب الفؤاد، والأرواح، والأحلام؟ من قال إن الموت لا يمزق الوجدان؟ لكنه يا طيب السِّمات، لا يطفئ العينين... مرتين!.
صنوان تلتقيان كل عام، حين يشدو العندليب "أيّ دمعة حزن لا"، حين يفتح الربيع باب الورد للعبير والألوان، حين يعزف الكمان والنايات ذوقنا الشرقي، تراثنا الأصيل، لا العويل والنواح!. حين تختفي تجارة الأجساد والفساد، حين ينحني الأولاد للرُّوَّاد، وتستحي الشاشات بعض الوقت، تجيء يا فنان!.
صنوان تلتقيان، تنفضان رعشة الرحيل والآلام، وسمرة الأجساد، والأمراض والميعاد، تعيشان...!، لكننا...، ومن لنا يا أسمران في بياضنا المؤجل؟!.
هكذا قلت عندما رحل الفنان أحمد زكي عن عالمنا قبل خمس سنوات متزامنا مع الذكرى الثامنة والعشرين لرحيل العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ!.
واليوم، وكأنه كما كتب علينا أن نشهد الزمن الجميل، كتب علينا أيضاً أن نشهد رحيل رواده!، فيغيب عنا واحد من رواد هذا العصر، رائد الكلمة الساخرة، المؤثرة، العلامة، الكاتب الصحفي الساخر، والناقد الفني والرياضي والسياسي الفذ محمود السعدني!.
تداهمنا اليوم مرارة فقد هذا الرجل، تماماً كما داهمتنا هذه المرارة قبل أيام مع مرور ذكرى رحيل المفكر جمال حمدان!.
خسارتنا كبيرة في رحيل السعدني بلا شك، ولكن عزاؤنا الوحيد أنه ترك لنا مدرسة، بل أكاديمية، بالتأكيد سيتخرج فيها أجيال وأجيال من أصحاب الكلمة، فهو حين نحت قاموساً جديداً من الألفاظ التي تجمع بين الفصحى والعامية المصرية، ابتدع لغة خاصة تصل إلى متلقيه بالسرعة التي أرادها، والحدة اللاذعة التي ينشد تأثيرها، وكان له ما أراد!، وحين خط مجموعته القصصية الأولى والأخيرة (خوخة السعدان)، وأصدرها في الخمسينيات من القرن الماضي، توقع نقاد كثر أن يكون منافساً قوياً ليوسف إدريس، لكن الكتابة الصحفية والهموم السياسية والاجتماعية أثرت على مسيرته الأدبية!.
وهكذا ترحل قامة كبرى عن سماء الكلمة، إلاّ أن الأفق يظل مستنيراً بهالات لا تموت!، فمذكراته حية، ومؤلفاته: "الظرفاء والمضحكون"، و"حكايات قهوة كتكوت" و"أمريكا يا ويكا" و"مصر من تاني" و"الموكوس في بلاد الفلوس" وغيرها، متوفرة بالمكتبات العربية.
أما نحن، الذين كتب عليهم أن يتذوقوا عسل الوجود، وملح الرحيل، فلا نملك إلاّ أن ندعو للسعدني ولكل الرواد الذين رحلوا بعدما علمونا كيف نحيا، بأن يتغمدهم الله بواسع رحمته وأن يغفر لهم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع المجيب.