من يملك الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، الحقيقة الحقيقية، ليس بعدها حقيقة، وكل ما سواها باطل وقبض الريح؟

إن قبيلا من هذا يستحلف به القاضي الناس في أمريكا الشمالية حين إدلاء الشهيد بشهادته؛ أنه سوف يقول الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة.

وهذا قد يكون فيه قدر بسيط من الصعوبة، ولكنه لا يقارن بالإمساك بجوهر حقائق الوجود، ومنه جاء تعبير القرآن؛ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، مقابل آية المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب كما يرون عالم الشهادة، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون في أول افتتاحية القرآن في سورة البقرة.




ومنه جاء أيضا تعبير القرآن أن الموت يجلي البصر فبصرك اليوم حديد. وهنا لم تبق عيون وأجفان ورموش وقزحية وأهداب وشبكية، بل مواجهة الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، وبذا تكون الرؤية كاملة شاملة بطريقة لانعرف كيف تتم؟

فإذا كان المؤمنون يرون الرب، وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، فهي في الدين تجربة لا يمكن استبطانها وإدراكها، وقد طلبها موسى يوما فخرّ صعقا، فلما أفاق قال سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنين، أما الأشقياء من بني إسرئيل فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة.

وهؤلاء الأشقياء لم يكن عندهم معرفة بطبيعة الشبكية في العين؟ وكم تستيطع احتمال قوة شمعات الإضاءة؟ وأن هناك حوافّ لفسيولوجيا العين وقدرتها على القشع؟ وأنها مرتبطة بالمخاريط والعصيـّات في شبكية العين؟

ولذا فإن العلماء حين أبصروا النار النووية وضعوا الأقنعة على العيون، وعمال لحام الأكسجين يضعون خوذات الحديد، وضاربي المدفعية يـُصابون بالصمم، والخفاش يرى الأشياء بأمواج فوق صوتية في الظلمات ليس بخارج منها، وأفعى البوا تـُبصر فرائسها بالأشعة ما تحت الحمراء بحساسات ومجسّات بجنب الرأس، كما أن العلماء يعرضون الأشعة الكونية لمناظير معينة، تستطيع التقاط الصورة بأجهزة هي امتداد للعين البصرية، وهي بدورها محدودة قاصرة أمام قدرة الإشعاع.

وبتعبير القرآن أن اليقين مرحلة من الإدراك يصلها العبد في رحلة الوصول إلى الله، أكثر من ادّعاء تملـّك الحقيقة؛ فقال الرب: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

وأخطر مايتعرض له مجتمع ما هو سقوطه في شراك من يدّعي الحقيقة النهائية، كما جاء في كتاب محمد الخاتمي ، رئيس إيران السابق ، عن السقوط في رذيلة الاستبداد الديني والسياسي. والرجل حاليا ممنوع من مغادرة إيران، ولا يـُستبعد أن يكون مصيره مثل سابقه أبي الحسن بني الصدر. فالصراع التيولوجي رهيب، يتم نسف الناس فيه بأسلوب التقاط الكلمات، كما يحصل معي أحيانا في المقابلات، فيحاولون صيدي وتدميري، مع الحياد عن جسم الموضوع كله. فالمدْح عسل، والقدْح بصل. فليس أبغض على النفس من الانتقاد، ولا تسـْكرُ النفس بخمرٍ كالثناء..

ولكن الحقيقة لا تعتمد الثناء والقدح، بل السير بوعورة أحيانا، وعلى نحو كريهٍ ومزعج معظم الوقت..

وأخطر ما في الحقيقة عدم تصور دخول النسبية عليها، وهو ما أتى به العلم الإحصائي على يد غاوس، فأصبحت الحقائق تمشي على رجلين من النسبية واللايقين والعلم الإحصائي. وهو لا يعني أنه لم يعد من وجود للقوانين، أو كما يزعم البعض أن التغيـّر لايـُبقي شيئا، بل يمشي الكون في جدلية من الثابت والمتحرك، والمركز والطرف، واليقين واللايقين.

وفي القرن التاسع عشر راجت نظرية الحتمية كثيرا، حتى تحطمت على يد نظرية الاحتمال واللايقين، على يد بول ديراك وفيرنر هايزنبيرج، من علماء الكوانتوم والفيزياء الذرية.

ومنها وعلى أعقابها تحطمت الأيديولوجيات من فترة نصف قرن. وأذكر جيدا كتاب نديم البيطار القومي البعثي حين تحدث عن الأيديولوجيا الانقلابية فتجاوزه الوقت اليوم، ولا أحد يتحدث اليوم عن الأيديولوجيات، ويتكلمون بحذر عن شيء اسمه العلم والروح العلمية، وهم على شك من كل ادّعاء وتملـّك. كما جاء في بنية الثورات العلمية لتوماس كون.

أما جماعتنا بين أظهرنا فهم يُجندون النصوص والأدلة العقلية والنقلية في معركة خطيرة؛ فيدّعون امتلاك الحقيقة، وينسون في هذه اللعبة أن هناك علاقة جدلية بين النص والعقل، فمن أضاءَ عقله فـَهـِمَ النصَّ أفضل مع التواضع، والعقل النقدي دائم التسبيح والتفكير، كما كان يقول علماؤنا مع اختتام كل فصل بقول: والله أعلم.

وهي قضية كتبَ عنها من قديم ابن تيمية عشرة مجلدات حول درء تعارض العقل والنقل. ونحن في هذا الوقت نحتاج لتجلية هذه الحقيقة إلى عشرين من الغزالي وابن القيم و200 مجلد، لكثرة الشغب والصراع والهرج والمرج حول ادعاء الحقيقة، وحين تجند النصوص في وجه أحدنا؛ فليس له إلا أن يقول ما قال نوح؛ فدعا ربه أني مغلوب .... فانتصر..

ولذا وجب وأمام الحقيقة النسبية الموجعة، إنشاء جدار من المعارضة، وتأسيس العقل على التمرد وعدم التسليم ومحاولة تفكيك المسائل. وهي المشكلة الكبرى التي تـُواجهنا في الوقت الراهن، الحقيقة النسبية وإطلاق العقل من محبسه للتفكير، فمن فكـّرَ واجتهدَ وأخطأَ فله أجرٌ، ومنْ أصابَ فله أجران، ومن لم يجتهد فليس ثمة من أجر.

وفي هذا دشـّن أيضا علماؤنا منذ القدم أن كل طرف في الجدل، قد يكون وصل إلى خيط من الحقيقة، ولكن عليه الحذر؛ فليقل أنا على حق والآخر على خطأ (انتبه خطأ وليس كفرا وفساد عقيدة ومعتقد وإباحة الدم والطرد من الوطن) ، مع احتمال النسبة معكوسة؛ فأكون على خطأ، وهو على صواب، وتظهر الحقائق النسبية وتتولد بالحوار الخالي من المراء (محاولة قهر الخصم بأي ثمن، بل تمني ظهور الحقيقة ولو على لسان الخصم).

إنه كما نرى أمر أثقل من الجبال، فأبَيـْنَ أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا.

ولا شيء أكثر ضراوة في الصراع بين من يملك الحقيقة النسبية، وادعاء امتلاكها من الطرف المقابل، الذي يدّعي نفس الشيء. وصراع الأيديولوجيات في القرن العشرين من الفاشية والشيوعية والبعثية العبثية والناصرية والعصبية المُنتة، ضحـّت بقرابين بشرية بالملايين على مذبح الكذب وادعاء الحقيقة وقتل الخصوم.

ولم يتم تعذيب الناس وقتلهم بأشد من الصراع على هذه الحقيقة، مزعومة كانت أو مشبوهة، نصف حقيقة كانت أو ربعها، أو بقية من حقيقة نسبية. فقد قـُتل الناس من أجل الاعتراف بخلق القرآن، من أناس يتـّصفون بالعقلانية؛ ففقدوا عقولهم في الصراع السياسي.

وقامت الكنيسة بحرق الناس من أجل شمس تدور حول الأرض، بدل دوران الأرض حول الشمس.

والقرآن يقول ثم جعلنا الشمس عليه دليلا. ولكن الكنيسة قالت إن هذا الدليل هو دليل بطليموس، وبطليموس فقط! فالكون دائري جميل، وكل الكواكب والشموس تلفّ حول الكرة الأرضية في دوائر زجاجية جميلة، فليس مثل الدائرة جمالا، وليس مثل الكنيسة "بهاء!"، ليتبين لاحقا أن دوران الكواكب والإلكترونات يتبع الخيط الإهليلجي وليس الدائري، وهكذا هي خيالات الناس.

وارتاحت الكنيسة وتعذّب الناس وقتلوا من أجل معتقدات تم إنشاؤها وتركيبها وفبركتها من بشر مثلهم، حتى جاء العلم فحطم البنى التقليدية لهذا الفكر، فأزاح الإنسان والأرض والجغرافيا في ضربات موجعات، فعرفنا على يد ماجلان دوران الأرض، فلم تعد الأرض مسطحة على ظهر سلحفاة، إن تحرك الدرع حدثت الزلازل، ولم يعد الإنسان "المخلوق الكنسي"، بل ذلك الذي خلقه الله أطوارا، وما زال يتغير ويتشكل طبقا عن طبق، وهو أمر انتبه له ابن خلدون في المقدمة وابن مسكويه في كتابه تطهير الأعراق وتهذيب الأخلاق.

وأخيرا جاء تشريح الإنسان والسماء على يد فيساليوس وفيتوس وكوبرنيكوس، فارتجت السماء، واستسلم البدن لقوانين التشريح والفسيولوجيا، كما قررها كلود برنارد في كتابه الطب التجريبي.

أفضل من عبـّر عن هذا الجدل هو فيلسوف التنوير ليسنج؛ وهي فقرة كان قد وضعها الدكتور الخيمي على مقدمة كتابه عن أمراض الكلى حين درسناها ونحن طلاب في كلية الطب فانحفرت في الذاكرة عندي، وتوسعت حتى رسخت.

وهذه الجملة نستطيع الآن أن ننشرها في "الوطن"، وجربت العديد من المرات أن أنشرها في منابر شتى فلم تر النور، شاهدا على صحافة مرتزقة، ورقيب يقظ بأشد من عيون القطط في الليل الداجي، وثقافة متيبسة بأشد من تيبس المفاصل في مرض البوليو.

يتخيّل ليسنج ، مجرّد تخيـّل: الله سبحانه وتعالى وضع الحقيقة المطلقة إلى الجهة اليمنى، ثم وضع الشوق الخالد للبحث عن الحقيقة إلى الجهة اليسرى، ثم سُئل ليسنج أن يختار. فأجاب ليسنج نفسه بالقول: إذاً لجثوتُ ضارعا خاشعا على ركبتي، وقلت يارب بل التي في الجهة اليسرى؛ فالحقيقة المطلقة هي لله وحده لا شريك له..