الأمر لدينا على العكس تماماً.. المتهم ـ أيا كان هذا المتهم إنسانا أم منزلا طينيا أم رسماً على حائط الزمن ـ متهم ومدان حتى تثبت براءته!
تأخرت بلادنا طويلاً في المحافظة على المباني التراثية.. تلك التي تزداد قيمتها في كل مكان في الدنيا مع تقادم بنائها.. كان ـ وكان فعل ماض ناقص ـ الأمر مضحك مبكٍ.. العالم يبحث عن الآثار بواسطة أجهزة المسح والمقاومة الكهربائية، لحمايتها وصيانتها واستثمارها.. فيما نحن نبحث عن هذه الآثار بـ"الجرافات".. كي نهدمها.. كي " نقلب عاليها واطيها".. كي نزيلها عن وجه الأرض. كنا نهدم ـ أحياناً ـ بالشك.. فإن نجا الأثر من الشك، طالته يد الإهمال والعبث!
ضاع تراث كثير.. واختفت ملامحه.. وتساقطت معالم تراثية كثيرة.. لم يكن أحد يجرؤ على السؤال:"لماذا"؟ ـ اليوم ثمة مؤشر جديد في المسألة ـ وهذا ما أحدث مفاجأة بالنسبة لي ـ إذ تحتضن الرياض الأسبوع بعد القادم برعاية الملك ـ يحفظه الله ـ (المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية) الذي تنظمه الهيئة العليا للسياحة بمشاركة عدة وزارات وجهات محلية وخارجية
هذا المؤتمر الدولي حسبما تقول الأخبار يسعى لتحقيق التكامل بين الجهات ذات العلاقة بالتراث العمراني داخل المملكة.. وهو ما سيحقق فوائد ـ برأيي ـ أبعد من المحافظة على التراث و"إعادة تأهيل المباني ومواقع التراث العمراني".. أعني سيتم تحقيق منافع معطلة.. أبرزها المنافع الاقتصادية وفتح مجالات عمل جديدة.
بخبرته وحكمته أدرك الأمير سلطان بن سلمان ـ رئيس الهيئة العامة للسياحة ـ وهو يستحق الثناء فعلاً ـ أن بلادنا تأخرت كثيرا في هذا المضمار، فكان لا بد من الحفاظ على ما بقي من أثر.. وكان له ما أراد.. ليفاجئ الجميع بأولى قفزاته : بلادنا هي اليوم الدولة الراعية للتراث، من خلال المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية!