انتشار المراكز التي تعنى بتأهيل المقبلين على الزواج أصبح أمراً ضرورياً لتقليل معدلات الطلاق التي ارتفعت بصورة ملحوظة، خصوصاً بعد أن اختلف شكل الأسرة عما كان عليه سابقاً، فلم تعد الأسرة الممتدة المعروفة بتساندها هي الشكل السائد، بل تحولت أغلب الأسر إلى الأسرة النووية المؤلفة من الأم والأب والأولاد. التأهيل يجب أن يشمل الرجل والمرأة للتأكيد على دور كل منهما في إنجاح الزواج، وإذا كان التحول النووي قد أفقد الأسرة الصغيرة رتم المساندة من الأسرة الكبيرة، فإن من محاسنه استقلال كل من الزوجين عن الأهل بحيث تكون لهما حياتهما الخاصة بدون تدخلات الأقرباء التي لا تأتي دائماً في مصلحة استمرار الزواج؛ ومن هنا فإن على الزوجين تعلم كيفية بناء العلاقات وطريقة الإبقاء على جذوتها وقّادة دون اللجوء إلى الأهل؛ وفي المجتمعات التي تفتقد أبسط مقومات العلاقات الإنسانية، رغم أن الإسلام أمرنا بها كالبسمة في وجه الآخر وإلقاء السلام والاهتمام بمعاناة المحيطين بك، فإن تأهيل المقبلين على الزواج كثيراً ما يكون أشبه بإعادة تربية من جديد لتكوين شخصية متصالحة مع نفسها ومتقبلة لمن حولها، وذلك قبل الدخول في علاقة معقدة كالزواج. الركيزة الأهم في إنجاح الزواج هي حسن الاختيار الشخصي للزوجين أحدهما للآخر، على أساس من القبول القلبي والتفاهم الفكري، مع وجود أسس التكافؤ المادي والثقافي، وموافقة الأهل على الزواج تعتبر ضرورة في مجتمعاتنا العربية حيث غالباً ما ينظر الأهل للأولاد باعتبارهم استمراراً لهم، فيختارون لهم دراستهم وتخصصاتهم وكذلك زوجاتهم، وهذه الوصاية لا تأتي دائما بالخير، لأن الزواج يجب أن يقوم على أساس الاختيار الواعي الحر والقرار المستقل عن الأهل دون أن يعني ذلك تجاوزاً أو تخطياً لمكانة الأبوين، بل على العكس يجب على الشاب والشابة أن يستفيدا من خبرات الأهل، إن وجدت، ومن خلال الاختيار الواعي ومباركة الأهل تنشأ ركيزة قوية لأسرة ناجحة.
مهما كنا نعرف أولادنا جيداً فلا يمكن أن ندرك حاجاتهم ومتطلباتهم أكثر منهم، ولا مانع من النصيحة طبعاً، وإذا كان الحب والتفاهم أساس علاقة زوجية مميزة، فإن الحياة دائماً أجمل بين شريكين يمران بنفس المرحلة العمرية، وفارق السن مقبول بشكل عام من الناحية النفسية والفسيولوجية إذا كان الزوج أكبر من الزوجة على ألا يتجاوز هذا الفارق 10 سنوات، وإن كانت هذه قاعدة عامة لها كثير من الاستثناءات، فالوعي ليس مرتبطا دوما بالعمر، كما أن بعض النساء يستطعن الحفاظ على حيويتهن حتى أعمار كبيرة، ولكن المرفوض في الفارق العمري أن يصبح مشابهاً للفارق بين الابنة وأبيها، اللهم إلا في حالات مضطربة نفسيا ترغب فيها الفتاة بالرجل الكبير في السن كتعويض عن أبوة مفقودة، كما أن الشاب قد يجد غايته في امرأة تكبره سناً لافتقاده الحنان الأمومي أو لأسباب شخصية أو لظروف اجتماعية.
يعتبر التكافؤ العلمي والثقافي ركيزة للنجاح الأسري، مع أننا كثيراً ما نرى زيجات فاشلة رغم وجود هذا التكافؤ، والسبب يعود إلى الشخصية نفسها والتي قد تكون مصابة باضطراب نفسي كبارانويا أو نرجسية أو ما شابه، لذلك فإن الأساس هو التشارك الإنساني والتواد القلبي والتقبل للآخر وتحمل وجود الاختلافات والاستفادة منها لتكوين أسرة فيها الكثير من التنوع، والذي يحصل أحياناً هو أن بعض الحاصلين على شهادات عليا ليس لديهم مقدرة على تقبل الاختلافات الطبعية، بل يريد كل من الطرفين فرض رؤيته وطباعه على الآخر، خاصة الزوج، لذلك فإنه من المهم أن يدرك الزوجان مدى قدرتهما على التحلي بالحكمة والمرونة في نفس الوقت.
قد لا يدرك المقبل على الزواج ماهية الحياة الزوجية، إما بسبب صغر السن أو لنقص الشعور بالمسؤولية، وقد يكون العامل الأول في ذلك عدم وجود نموذج حياة زوجية بالدرجة الأولى، فالأب والأم هما القدوة الأولى للطفل منذ نعومة أظفاره، ويأتي بالدرجة الثانية دور المدرسة، حيث إن المفاهيم التربوية تنقل عبر مناهج التعليم بشكل مباشر أو غير مباشر، فالاحترام بين الجنسين يؤسَّس أسريا أولا ثم مدرسيا، إضافة إلى أن ثقافة المجتمع ككل لها دور كبير في وجود هذا الاحترام وهو حجر الأساس في تماسك الحياة الزوجية، دون التقليل من قيمة الحب في جمالية الحياة الزوجية، فالحب هو الذي يخفف من وطأة الواقعية بشيء من نثار الرومانسية.
إذا كان حسن الاختيار هو أساس نجاح الزواج، فمن البديهي أن سوء الاختيار هو المسمار الأول في نعش هذا الزواج، لأن ما بني على خطأ سوف ينتهي بخطأ، ثم يأتي تدخل الأهل في العلاقة بين الزوجين وانقياد أحدهما أو كلاهما لأهله، إضافة إلى اختلاف الطباع لدرجة متنافرة، كما أن للعامل المادي دوراً كبيراً في الطلاق عندما لا يستطيع الزوجان الاتفاق على كيفية إدارة مواردهما خصوصا إذا كانت مشتركة أو إذا كان للزوجة نصيب كبير في الإنفاق دون أن تعطى مقابل ذلك أي ميزة مما يشعرها بالحيف والظلم، وقد تسكت مرة أو مرتين، سنة أو سنتين، ولكن لم يعد الصمت الدائم من شيم المرأة في هذا العصر؛ وأخيرا هناك العامل الجنسي عندما لا توجد أي معرفة أو شعور برغبات الطرف الآخر، إضافة إلى أن كثيرا من الاضطرابات الجنسية لا تبدو جلية واضحة إلا بعد الزواج؛ والوقاية من هذه المشكلات توحي بضرورة إيجاد مكاتب استشارية خاصة بما قبل الزواج وليس فقط قبل الطلاق.