صار– عرفاً – غير مكتوب، وأصبح تقليداً من تقاليد هذه الصحيفة، أن يبادر علي سعد الموسى، نيابة عن كتاب "الوطن"، في تأبين رئيس التحرير ليلة رحيله أو استقالته. صار عرفاً أن أهيل التراب على كرسي الراحل، وبالضبط، كتبت رسالة التأبين هذه ست مرات في تسع سنوات خلت، وبالقياس التلقائي الطبيعي، سأنتظر أيضاً تسع سنين قادمة كي أضمن ضعف رسائل التأبين ثم أضعها فصلاً من كتاب مقترح تحت عنوان (باب ما ورد في محاسن رؤساء التحرير) من مبحث أضخم في ذكر محاسن الموتى.

شكراً أخي العزيز، جمال أحمد خاشقجي، لكل ما عملت من أجله، ومن أجلنا، ومن أجل كل القراء الكرام، ومن أجل صوت (الوطن) الوطني الذي لن يسكت. وحين نعدد محاسن الراحلين، ستبقى متميزاً لأنك أعطيت صحيفتك أهم وأغلى ما لديك: دائرة انتشارك وجدلية اسمك وحضور شخصك المثير للاختلاف، فما هو الإعلام إن لم يكن الانتشار والاسم وطبيعة الاختلاف. شكراً أبا صلاح، كلما اختلفنا أو اتفقنا لأننا نتحاور من أجل (وطن) أصغر ولكن نحو دائرة الوطن الأهم الأكبر، وأنا هنا أشهد أنك كنت حريصاً على الثوابت بذات الحرص على أن تساير روح العصر، شكراً أخي العزيز، على سعة الصدر وعلى قبول آرائنا التي كنا نقذفها إليك بإصرار، وتحاورنا حولها بأدب. شكراً لأنك كثيراً ما تحملت المسؤولية المباشرة نيابة عن أقلامنا التي قد لا تعرف حجم وقعها حين ترتد إليك. شكراً لما هو أنبل وأهم: على تواضع الكبرياء وعلى بساطة الروح الأليفة في (رجل) يحسن كيف يعاشر ويألف. أكتب اليوم من باب الوفاء لمرحلة لا تملكها أنت وحدك، بل يملك كل فرد منا فيها بسهم، معترفاً أن هذه السهام ما زالت (أثراً) على الكرسي الساخن في هذه المطبوعة الساحرة التي شبهتها ذات (مقال) بظهر الحصان البري الجموح الذي يرفض بقاء الفارس على متنه لبرهة وشكراً لأن هذه (البرهة) قد دامت لنحو ثلاث سنين بعد أن كانت فيما سلف مجرد شهرين. قريباً (قد) نلتقي في الورقة السابقة.