ليعذرني الزميل عبدالعزيز قاسم فإن آخر ما يمكن أو يوصف به كمقدم برنامج حواري هو الحيادية! وكان زميلنا البياناتي قد وصف نفسه بالالتزام المهني بالحيادية في صحيفة "سبق" ردا على انسحاب الشيخ الكلباني من مداخلته الهاتفية في الحلقة الماضية من البرنامج، والتي رأى فيها –الكلباني- أنه لن يُعطى وقتا كافيا لإيضاح وجهة نظره فآثر الانسحاب!

وحقيقة لم أر من قبل مقدم برنامج (حياديا) يقدم مثلا أحد ضيوفه بديباجة من نوعية: (يداخل معنا الآن الداعية " الحبيب " الواعد) ، فكلمة الحبيب (وحدها) تنفي صفة الحيادية تماما، لأنها توضح مشاعر المحاور نحو المداخل، وهو ما يقوض ويدحض تماما "الحيادية "! فمن نافل القول أن الحيادية المهنية تقتضي –أولا- عدم إظهار أية نوعية من التعاطف مع ضيف دون الآخر، وكل حلقات (البيان التالي) دون استثناء تظهر تعاطفا من المقدم مع ضيوف بعينهم، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح لا يحتاج إلى كبير جهد! بل إن زميلنا البياناتي لا يجتهد في إخفاء ميله أو توريته، بل يتعمد إظهاره وكشفه! ولعل هذا الميل الواضح والتعاطف البين يمنح البرنامج جواز المرور وشهادات الرضا، ويبوب البرنامج تحت تصنيف محدد، وينفي عنه الاصطفاف في الخندق الآخر المناوئ! أو لعل ميله الواضح لضيوف دون غيرهم سيشفع للبرنامج استضافته لبعض رموز التيار الآخر، وكأننا في حرب ضروس وليس برنامجا من المفترض أن يعزز ثقافة الاختلاف والحوار!

وليعذرني أيضا زميلنا البياناتي فكثيرا ما يشعرني برنامجه بالتشاؤم والضيق، فهو يفضح عوار مشهدنا الثقافي وافتقاره لثقافة الحوار وأدب الاختلاف، ويكرس للانشغال في صغائر الأمور وشكلانياتها عن هموم الأمة العديدة والأخطار المحدقة بها! ناهيك عن تركيز البرنامج – في جلّ حلقاته - على الإثارة والدوران في أفلاك جدليات تعزز للفرقة والتشرذم بدلا من التقريب وصولا للتعددية وتقبل المختلف! ويبدو أننا نحتاج أعواما مديدة وأزمنة طويلة للوصول إلى سنة أولى حوار، وسنظل نلثغ ونتهجى أبجديات الاختلاف لأجل غير مسمى!

لا أزال أتوسم في زميلنا قاسم القدرة على مراجعة مسيرة برنامجه وإعادة توجيه دفته إلى صنع تأثير حقيقي في مشهدنا يعزز للحوار والاختلاف الصحي.