كانت اليونان في زمن مضى محطّ أنظار العالم كلّه. وكانت أثينا مدينة المعرفة والتنوير وأرسطو وسقراط وأفلاطون وغيرهم من آباء العلم والفلسفة. وإلى اليونان يعود الجذر الأساسي للحضارة الأوروبية.
 واليونان اليوم هي محطّ أنظار العالم كلّه، ولكن من باب أنّها كانت قبل أيام قليلة مُهددة بالإفلاس وبأنها قد تجرّ أوروبا و"اليورو" معها إلى هاوية لا صعود منها أبدا.
 يوم الاثنين قبل الماضي، العاشر من الشهر الحالي، أعلن القادة الأوروبيون خطة لإنقاذ اليونان، بعد فترة من التردد والتشكك الطويل واجتياز منطقة من الزوابع، بدت الآلة الأوروبية خلالها بطيئة متثاقلة مترددة في مواجهة ضغط الأسواق المتعاظم. وبدت ألمانيا كأنها تتبنّى "منطقا" مغايرا، بل مخالفا للآخرين.
 لا شكّ أنها كانت الأزمة الأكبر التي عاشتها أوروبا في مسيرة توحيدها بعد 60 سنة من النداء الذي أطلقه الفرنسي روبرت شومان للشروع بالبناء الأوروبي المشترك.
 وكادت الريح أن تعصف بهذا البناء لو لم يُوقف النزيف اليوناني اليوم؛ والبرتغالي والأسباني والهنغاري غدا... وربما الفرنسي ـ هذا ما لا يتحدّث عنه سوى قلّة اليوم ـ بعد غد؛ ففرنسا يمكن أن تبلغ ديونها، حسب تقديرات بعض خبرائها الاقتصاديين، نسبة 100 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي في أفق عام 2012.
 بكل الحالات، أمام الأخطار الكبيرة لا بدّ من إجابات كبيرة هي الأخرى.
وبالفعل جاءت الإجابة الأوروبية، بعد انتظار وقلق، على مستوى التحدّي الذي تطرحه الأزمة اليونانية عبر اللجوء إلى ترسانة من الإجراءات ذات "العيار الثقيل". وليس أقلّها تأسيس صندوق بـ750 مليار يورو لمساعدة البلدان الأوروبية ـ الحلقات الضعيفةـ التي يواجه اقتصادها أخطارا مهددِة.
 وجرى في الوقت نفسه إقرار آليات للتدخل وضمانات أوروبية مشتركة بحيث تعمل بلدان منطقة اليورو "متضامنة متكافلة" بمواجهة الأزمات. ذلك على خلفية القناعة التي عُبّرعنها بأشكال مختلفة عن أن النهوض سيكون "جماعيا" أو أن الأزمة سوف تتلو الأزمة والضعف والتفكك سيكونان على موعد.
 الملفت للانتباه أن الأوروبيين تصرّفوا حيال الأزمة اليونانية وكأنهم على جبهة حرب حقيقية لا خيار فيها سوى الانتصار أو الانكسار. واستخدموا في بيان مواجهتها الأخير تعبيرات تعود بالأحرى إلى القاموس العسكري، وليس الاقتصادي، من نوع "التعبئة العامّة" و"الرد الجماعي".
 والسؤال: هل أصبحت الأزمة وراء أوروبا؟
 لا شكّ أن أوروبا عرفت كيف تُوقف في اللحظات الأخيرة تدهور العربة اليونانية الجانحة نحو الهاوية.
 ولا شكّ أنها توصلت إلى ذلك تحت "سيف التهديد" وبعد خلافات داخلية ومعارضة ألمانية طويلة وعنيدة حتى الأيام الأخيرة لمدّ يد العون المالي لليونان التي وصفتها مجلة ألمانية شهيرة ـ فوكوس ـ أنها "محتال وسط العائلة الأوروبية".
 لكن لا بدّ من القول بالمقابل إن الأزمة اليونانية كشفت عن خطأ مقولة "أيديولوجية" سائدة مفادها إن الدول لا يمكن أن "تفلس". إنها تفلس، وهذا ليس وهما. وكشفت أيضا عن بعض نقاط الضعف والخلل الأوروبيين ليس أقلّها أن الإفراط في زيادة الديون يشكّل أحد عوائق النمو الاقتصادي. هذا ما تشير إليه مقارنة بسيطة لمؤشرات النمو الاقتصادي التي تُبيّن واقع أن أوروبا هي بالفعل في الصفوف الأخيرة في مجال معدلات النمو الاقتصادي السنوي في العالم المتقدّم عامّة. هذا فضلا عن معاناتها من أعراض الشيخوخة السكانية وتعاظم ظاهرة البطالة.
 صحيح أن الأفق القريب غدا أكثر انفراجا بالنسبة لليونان وللبلدان الأوروبية الأخرى التي تسير على نفس الدرب التي أوصلتها إلى الأزمة؛ وأصبح أكثر مدعاة للاطمئنان حيال "صحّة" العملة الأوروبية الموحّدة، اليورو.
 لكن لا يكفي ضبط الحسابات العامّة ومنع إفلاس اليونان وطمأنة دائني إسبانيا والبرتغال للقول إن طريق المستقبل أصبح سالكا. ذلك أن أوروبا كلّها هي "تحت رقابة" الأسواق المالية. إن مكمن الألم أبعد وأعمق ويتطلّب أكثر من "خافض للحرارة"، رغم أهميته.
 والعلاج الناجع ليس أقل من تعزيز التكامل الأوروبي الاقتصادي، والسياسي بالضرورة، لتأمين سبل زيادة النمو وإدارة الأزمات التي قد تستجدّ. لقد كسب الأوروبيون معركة... أمّا الحرب؟! 
 ولعلّ من أهم دروس الأزمة اليونانية أنها أيقظت الأوروبيين، ففترة "القيلولة" انتهت. إن أوروبا كي تتقدّم عليها أن تتضامن وتتكامل وليس أن تتنافس. وهذا الدرس مفيد لغير الأوروبيين أيضا، بالطبع لمن يقرؤون.