حين أرسلت بناتي للدراسة في كندا نهيتهن عن ثلاثة: روح الاستهلاك والعنصرية والإباحية، فهذه مقاتل الرأسمالية الثلاثة، وأوصيتهن بثلاثة تقوى الله في السر والعلن، والاستفادة من علم الغرب ومزاياه الإيجابية، من الحرية واحترام الوقت والإنسان، وبناء الروح في موطن الإيمان بعيدا عن الإلحاد والعدمية والعبث.
وفي هذا سألني الأخ المغربي سلطاني عن روح الدعاية في عالم التسوق والمال، وفي قناعتي فإن الدعاية للأغراض إن عرضت بأمانة لا أظن أن فيها مشكلة، ولكن كل المشكلة هي في روح الاستهلاك، في مجتمع استهلاكي لإنسان مستهلك؛ فهذه من أمراض الرأسمالية الثلاثة؛ فإذا كانت المسيحية قد تورطت في الثالوث المقدس؛ فإن الرأسمالية تورطت في ثالوث مدنس من جشع الاستهلاك والعنصرية والبورنو.
ولكن بالمقابل كما يذكر عالم الاجتماع الإلماني الحجة ماكس فيبر (Max Weber) في كتابه روح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية، أن ما دفع الغرب إلى أن يصل إلى ما وصل إليه أيضا ثلاثة: الدأب والنزول لساحة العمل، والاجتهاد ومشروعية الكسب، وروح المبادرة.
فأما الأولى فمرجعها إلى روح الكسل والزهد في العمل الذي بثته الكنيسة في روح الناس من خلال الرهبنة، ومنه هاجم القرآن الرهبنة فقال "ورهبانية ابتدعوها ماكتبناها عليهم"، فمنها وصل الفساد إلى ذروته إلى درجة أن مجلة شبيجل الألمانية في أعدادها الأولى من عام 2010 م أظهرت فواحش رجال الدين وانتشار الموبقات، ففي العدد 6\2010م أظهرت قسيسا مد يده إلى موضع العورة، وفي العدد 7 أظهرت صورة الغلاف امرأة وتحتها بالخط العريض عنوان تقول فيه انتصار الخطيئة من المتعة الحرام والجشع القاتل والتجارب المدمرة، وفي العدد 14 أظهرت الحبر الأعظم البابا وقد ترنحت قلنسوته وتحتها البابا غير المعصوم، مع التأكيد على كلمة غير، كون البابا عندهم يتسم بالعصمة من كل زلل وخطية وغلطة، والله يعلمنا أن نقول ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
ومع ذلك فيجب أن نعترف أن هذا من صحة المجتمع، فلولا حرية النقد وتناول أي شخصية، ما تم الترميم وانصلحت الأمور، أما عندنا فالقانون الثلاثي هو السائد: مافي.. ممنوع.. حرام.. ما يصير؟
وإذا اعترض أحد كما سمعنا عن المحامي هيثم المالح وهو يطالب برفع قانون الطوارئ في بلد غارق بالطوارئ منذ نصف قرن، حكم بالسجن ثلاث سنين عددا، لأنه طالب بالإصلاح، أما الطفل فنقتل فيه روح المبادرة والسؤال والعفوية والدهشة، وهي روح الفلسفة الثلاثية.
ويتابع ماكس فيبر فيقول إن روح الكسب هي التي دفعت عجلة الاقتصاد الغربي، أما روح المبادرة فهي تلك التي رأيتها في الغرب، ويشجع عليها في كل حين، إن المجتمع يخص كل فرد، فيجب أن يتدخل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ليس على شكل مؤسسات، بل روح الأفراد بروح الحضارة، وهي الصفة التي قال عنها الرب عن المجتمع الإسلامي إنه كان - يوما- خير أمة أخرجت للناس، أما اليوم فقد خرجنا بكل أسف من دورة الحضارة والأخلاق وروح المبادرة، وبدأنا نستهلك مثل الغربيين مساحيق التجميل والملابس والشوكولاته والسيارات والقوانين والأفلام والأفكار؛ فساعة نحن اشتراكيون صفر غبر، وساعة غربيون مفلسون، وساعة قوميون ملحدون.
وننسى أنه ومن بين ظهرانينا خرج إبرهيم الخليل بالدين الحنيف فقال وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.