(والذي يُتمنى حدوثه، من ولي الأمر هو تقييد هذا الأمر المباح – الزواج المبكر ـ، وأن يتضمن أمره الكريم وضع قرارين: أولهما تحديد سن الزواج، وثانيهما: ضبط الفرق العمري بين الزوجين)، بهذه الفقرة ختم الشيخ عبدالله فدعق مقالته الأخيرة والتي كانت بعنوان (الزواج المبكر والاستدلالات الخاطئة)، وهي مقالة ممتازة بحق، ولا أصحّح للشيخ الزميل سوى جملة واحدة فيها وهي تحديد سن الشباب بين الثلاثين والأربعين، لأن سن الشباب طبياً هي بين العشرين والأربعين، وأما قبل العشرين فهناك سن المراهقة التي تمتد من 13 حتى 19 سنة، وإن كنا نرى أن المراهقة أًصبحت تبدأ مبكراً وتنتهي بشكل متأخر، وفي بعض الحالات نجد الكهل المراهق والشيخ المتصابي؛ والكهولة بين 40 و60 والشيخوخة تبدأ من الستين وتنتهي بالثمانين، وبعد ذلك فإنه الموت أو الهرم.

تحديد السن الأدنى للزواج ضروري ولكن الأهم هو ضبط الفارق العمري بين الزوجين، لأن ثقافتنا الذكورية توحي بأن الرجل يبقى شاباً أبداً فتسمح له بأن يضع العلة في زوجته ويبحث عن أخرى في سن بناته أو حفيداته، وللأسف فإن هذه الثقافة تعززها مفاهيم صحية خاطئة، تتلخص في مقولتين: الأولى تدعي بأن الرجل يبقى فعالا من الناحية الجنسية ويستطيع إنجاب الأطفال بين السبعين والتسعين، والثانية تتّهم المرأة بأنها تدخل سن اليأس بمجرد انتهاء دوراتها الإباضية، والذي يعني نهاية حياتها الجنسية، والرد على المقولتين معاً هو أن سن اليأس للنساء عموماً – مع التحفظ على التسمية لأنه سن تجدد الأمل بالنسبة للمرأة التي تعرف كيف تدير حياتها وتحافظ على حيويتها – يقع بين الخامسة والأربعين والخامسة والخمسين، والغالبية منهن تكون خاتمة دوراتها في سن الثامنة والأربعين حيث تنتج آخر بويضة صالحة للتلقيح، وأما دورة الرجل من حيث فعاليته الجنسية فهي لا تمتد أكثر من خمس سنوات زيادة عما يحدث عند المرأة، وعلى أحسن الأحوال عشر سنوات، أي أن الرجل يدخل سن اليأس بعمر بين الخمسين والستين، وغالبيتهم ينخفض لديهم هرمون الذكورة بشكل واضح في عمر 55 وما يرافق ذلك من قلة عدد النطاف والتهاب غدة البروستات وأورامها الحميدة والخبيثة، وما يعقبه من نقص الفعالية الجنسية، وحتى لو وجدت الرغبة فإن القدرة مفقودة، ولكن الرجل لا يعترف بذلك، والسبب أن هذا النقص يشكل حرجاً نفسياً كبيراً له، لأن الجنس بالنسبة لشخص كهذا يعني بديلا عن طموحات لم تتحقق بسبب صفات نفسية كضعف الإرادة أو بسبب ظروف اجتماعية.

هذا التفسير موجود بالتفصيل في كتاب (الحب بين الشهوة والأنا) الذي يحلّل فيه مؤلفه تيودور رايك نفسية الرجل الدنجوان/ صائد النساء بأنه يفتقد للثقة بالنفس، مع أنه ظاهرياً قد توصله ثقته بنفسه إلى حد الغرور، ولذلك فإن تعدد العلاقات مع النساء يعني له استعادة الثقة، وإذا خاض تجربة حب فإنه يكون اندفاعياً بشكل مخيف، وهو يقدم الحب كي يحصل على الحب أي كي يكون مرغوباً؛ ومن خلال الحب يستعيد تقييمه الإيجابي لنفسه ويستعيد معه الشعور بالأمان الذي فقده في مرحلة ما خصوصاً في الطفولة، حيث تكون شخصية الأم القاسية وغير الحنونة وراء حرمان عاطفي شديد، ويلاحظ على هؤلاء الرجال تصرفات طفولية تنم عن الحرمان كقضم الأظافر أو وضع اليد في الفم دون انتباه، إضافة إلى كثير من صفات العصاب، فالإشغال الدائم للنفس هو ليس للإنجاز بقدر ما أنه لتخفيف حالات القلق، والاندماج الاجتماعي ليس دليل اجتماعية حقيقية بل هو للوقاية من الدخول في حالات الاكتئاب، ولكن كل ذلك لا يفي بإشباع الحرمان العاطفي القابع في اللاشعور، ولا مناص من تعدد العلاقات مع النساء، لأن التي حرمته من الحنان امرأة ألا وهي الأم، والمحظوظ منهم من يلتقي بامرأة تجتمع فيها كل النساء حسب وصف شاعرنا الأبرز نزار قباني، تكون الحبيبة والطبيبة ولكنها أيضاً المعلمة والمربية، وهذا أمر ليس بمقدور امرأة عادية أن تتقبله في زوجها، فالمعتاد أن يكون الرجل هو الحامي والراعي والمعلم والقائد، ولذلك فهي مهمة المرأة الاستثائية، ومع ذلك فإن جهودها تذهب أدراج الرياح إذا لم يعترف الرجل بنقصه وضعفه وجهله.




المشكلة أن هذا النوع من الرجال يدخل تجربة الحب وهو لا يعرف من الحب إلا كما يعرف الدب عن فن الرقص حسب وصف الكاتب الفرنسي بلزاك، لذلك فمن السهل جداً أن يدمّر حياته وحياة من يحبها لأن غيرته الشديدة عليها وخوفه من فقدانها ورغبته الدفينة في التحكم، كل ذلك يدفعه لعدم الاتزان في علاقته بها، وقد يكون ناجحاً في علاقاته العامة، ولذلك فإن اضطرابه النفسي لا يسهل التصديق بوجوده لأنه قادر دائماً على الإخفاء والالتواء والمكابرة، ولكنه لن يكون قادرا على الاحتفاظ بمن يحب، إلا إذا كانت شخصية المرأة خاضعة، فالحفاظ على الحب يتطلب قدراً كبيراً من النضوج، وصدق الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما قال في الحفل السنوي لمراسلي البيت الأبيض هذا العام:(لا يوجد شيء من الصعب الحصول عليه أكثر من الحب ولا يوجد شيء أكثر أهمية للمحافظة عليه من الحب).

النسخة الأنثوية للرجل الدنجوان موجودة ولكنها بشكل أندر، وقد استضافت أوبرا وينفري في إحدى حلقاتها عارضة الأزياء نعومي كامبل، والتي بكت بحرقة عندما سألتها أوبرا عن نوبات الغضب التي تعتريها أحياناً، فعزت ذلك إلى هجر والدتها لها وهي طفلة، وأما تعدد علاقاتها فقد قلّبته أوبرا على عجل، وربما هي بحاجة إلى حلقة أخرى تستضيف محللا نفسياً ليستطيع سبر أغوار نفسية كامبل التي لا شك أنها كانت ضحية ولكنها تحولت إلى جانية.