تمرّ أوروبا اليوم، وأمريكا بدرجة أقل، بسؤال جديد. سؤال ظن الكثيرون أنه تم تجاوزه في عصر ما بعد الحداثة. السؤال الكبير اليوم هو سؤال الديموقراطية والحريات وأفكار المساواة والعقلانية والعلمانية. مما يستحضر بسرعة أسئلة التنوير الأساسية. يقصد عادة بعصر التنوير في الغرب، القرن الثامن عشر الأوروبي، وهو القرن الذي أنتج مبادئ الدولة الحديثة، التي تمثلت في الدولة الأمريكية والفرنسية، والدساتير الحديثة، كما أنه العصر الذي أنتج مبدأ الديموقراطية السائد اليوم في العالم. في هذا العصر كان التفكير عند الفلاسفة ورجال القانون والسياسة منصبا على نقد استبداد الإمبراطوريات وغياب الحريات والمساواة بين المواطنين. كان هذا النقد والصراع يتطلب من مفكري التنوير تبني مقولات معينة والدفاع عنها بل والتعصب لها. كان الظرف التاريخي يحكم بأن العقلانية وحرية الفكر والتعبير والديموقراطية والفردانية والاقتصاد الحر لن تتحقق على أرض الواقع إلا بأن تتحول إلى أيديولوجيا، لا بمعنى الانغلاق الفكري، بل بمعنى النشاط العملي والسياسي المبني على الفكر الفلسفي.
في هذا العصر كان ناشطو التنوير يشنون هجمات قوية على البنى التقليدية في المجتمع، باعتبارها البنى التي تحفظ بناء الاستبداد والتمييز واعتقال الإنسان.
ولكن بعد تحقق أهداف التنوير في القرن التاسع عشر والعشرين وتحول المجتمعات الأوروبية إلى مجتمعات حديثة ترسخت فيها مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، وفي ذات الوقت حدثت كوارث بشرية هائلة كالحروب العالمية والاستعمار الأوروبي، جعلت من العقل الأوروبي يقوم بعملية نقد هائلة لعصور التنوير تحديدا. باعتبار أن التنوير لم يستطع حماية أوروبا من كل هذه الكوارث. اشتغل العقل الأوروبي هنا لتفكيك مقولات التنوير، العقلانية والعلموية لندخل في ما يسمى عصر ما بعد الحداثة الأوروبي وهو عصر احتلت مقولات الاختلاف والتنوع والتسامح أولوياته كما غلبت عليه روح التكفير عن ما جرى في الاستعمار والحروب الكبرى. في هذا العصر أصبحت الثقافة المتعددة والمتنوعة هي المطلب الأساسي ونادى الكثير من مفكري أوروبا بأن مستقبل الحياة في أوروبا يتوقف على انفتاح هذه القارة ودمج الثقافات الأخرى داخلها. في هذه الأوقات كان مئات الألوف من المهاجرين يتوافدون على أوروبا ويحتلون جزءا مهما من المجتمع الأوروبي. كان الموقف الفكري خصوصا في بريطانيا وهولندا مرحبا بهذه الهجرات بل داعيا هذه الجاليات للتعبير عن نفسها وإظهار خصوصيتها الثقافية باعتبار أن الاختلاف والتنوع هو علامة الثقافة المتعافية والسليمة. الذي يجري اليوم، وأصبح على رأس الأولويات، بعد الحادي عشر من سبتمبر هو سؤال المسلمين في أوروبا حول اندماجهم فيها. بل إن إرهاصات هذا السؤال بدأت من قبل خصوصا مع قضية سلمان رشدي في بريطانيا، فكما يحكي المفكر الأوربي IAN BURUMA في كتابه الصادر حديثا "الدين والديموقراطية في ثلاث قارات" أن المظاهرات التي خرجت في بريطانيا وأنحاء أخرى في أوروبا ضد رواية سلمان رشدي مثلت حالة فارقة واستدعت السؤال. كان إحراق صور رشدي وروايته في الشوارع مشهدا ملفتا فالساحة الأوروبية لم تستوعب أن هذه الردود جاءت نتيجة كتاب. ففي مجتمع ديموقراطي يَفترض أن لا تتجاوز ردود الفعل على الفكر، الفكر ذاته، بمعنى أن الفكرة تواجه بفكرة أخرى، وأن قتل إنسان أو محاولة إجباره على عدم الكتابة بسبب رأي هو عمل يشير إلى مشكلة مع مبادئ الديموقراطية ذاتها. لاحقا مع الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات لندن ومدريد وقتل المخرج الهولندي والحجاب والنقاب في فرنسا، كل هذه الأحداث أعادت السؤال للمبادئ الأولى للمجتمع الديموقراطي. وهذا ما جعل التنوير، بحسب بوروما، ينتقل من كونه موضوعا أكاديميا إلى موضوع معاصر ومتعلق باللحظة. فمن جديد يتم طرح موضوع حق الإنسان في التفكير والتعبير، وحماية الحريات الفردية، بل إن مفكرين كثرا يرون أن الحصول على مجتمع يحترم التنوع والاختلاف يتطلب تأسيس مبادئ أولية كالفردانية والعقلانية وأفكار التسامح. المشكلة اليوم أن هذه الأسس تبدو هشّة أو منسية من قبل الثقافة المعاصرة. ففي حمى الصراعات الحالية تطل على بعض المجتمعات رؤى تفكر بمنطق القرون القديمة أكثر من منطق مجتمعات الديموقراطية الحديثة.
ومما يجعل سؤال المسلمين في أوروبا أكثر جذرية من غيره أن الأعداد الهائلة من الشبان والشابات المسلمين في أوروبا اليوم، ضمن أزمة جيل المجتمع الحديث، يجدون في الدعوات الإسلامية الأصولية جاذبا ومغريا يوفر لهم الإحساس بالهوية والانتماء بعد تعذّر الحصول عليه في المجتمع الحديث. من جهة أخرى الأصوليات الإسلامية لديها اختلاف مع مبدأ الديموقراطية ذاته. فالدولة الدينية هي الدولة المنشودة في الخطة الأصولية والتعامل مع الديموقراطيات الغربية للمهاجرين الأصوليين ينطلق من استغلالها مؤقتا لتوصيل الدعوات الخاصة مع التأسيس ضدها في ذات الوقت. ولذا تجد شابا من أصول مسلمة مولودا في هولندا وتربى في هذا المجتمع، تجده يعترض على مبادئ المجتمع ويعتقد أن الديموقراطية ذاتها خطيئة يجب التطهر منها. في هذه الأجواء يرى عدد من المفكرين أن المجتمعات بحاجة إلى تنوير جديد، فمبادئ المجتمع الديموقراطي الحر تحتاج إلى أن تعود للواجهة من جديد وإلا فإن الناس يمكن أن ينخرطوا، تحت ضغط الأصوليات، في عملية تصاعدية تهدد أساس المجتمع الحر من الأساس. من المهم أن نسأل ماذا يعرف جيل اليوم في أوروبا، عن التأسيس الفكري والسياسي للحريات والعقلانية وحقوق الإنسان. ماذا يعرف الجيل الحالي عن الديموقراطية وضرورتها لحياة كريمة. التنوير الجديد يعيد طرح هذه الأسئلة انطلاقا من إشكاليات اليوم، التي تقر الغالبية، أنها مخيفة.