لفت نظري في "الوطن" الخبر المنشور بالعدد 3514 الصادر يوم السبت 21 رجب 1431 الموافق 30 من يونيه 2010 عن اللقاء الذي نظمته لجنة الحوار بنادي حائل الأدبي ما نُسب للكاتب "سعود البلوي" الذي جاء قوله: (لجوء ابن رشد لليهود نقطة سوداء في التاريخ العربي)، ولعله كان يقصد تاريخ المتشددين الذين يفسدون الحس الإنساني، ويعكرون الصفاء بفكرهم، وفعلهم وسلوكهم.

إن صوابية ما أثاره عن مهمة المثقف، ودوره التوعوي، ومعاناته من التعصب والتعنيف، والتحريض والإقصاء؛ تختل بالأخذ المُوقع بشرك السطحية، والمعلومات المضللة، وتبني الآراء التي قد تكون مغرضة، أو منحازة، لأن التاريخ مهما شابه من التضارب والرياء، واعتورته الأهواء والمبالغات، وكثرة استحضاره ببلادة، أو اعتباره منقضياً لا يستحق الاهتمام، فإنه حاضر في حياتنا، وبقوة دافعة نحو الارتقاء إذا استدعيت للنظر فيه، وتحقيقه الأدوات البحثية الفارزة المعللة بدقة للكينونات، والمحققة لمعرفة كيفيات الوقائع وأسبابها بعمق، لا مجرد رواية للأخبار، أو أن المقصود منه التسلية، أو حتى الاعتبار، وهذا ما نبه إليه ابن خلدون قبل الفلاسفة الأوروبيين بمئات السنين الذين بدعوتهم إلى إنباض ما كان، بما هو كائن لكي يسهل تصور ما سيكون، وأسهموا في نهضات أممهم، لكن من المؤسف أن غالبية المؤرخين العرب إما أنهم ينظرون للتاريخ بمنظار أيديولوجي، وإما أنهم يسعون من خلاله إلى الحظوة.

تبعاً لما تقدم، فإن (أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد) سليل عائلة عربية مشهورة بالعلم، ولد بقرطبة 520هـ/ 1126م، وكان قاضياً وفقيهاً، وعالماً وطبيباً، ومفكراً فيلسوفاً، قدمته عبقريته في البلاط الموحدي، حيث حظي برعاية الأمير العالم أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن منذ كان والياً على إشبيلية، وعقب توليه الخلافة خلفاً لأبيه، ولاه القضاء في إشبيلية، ومن ثم بقرطبة، وقربه أكثر بعد أن صار خليفة كطبيب ومستشار، وصديق أثير في عهد ابنه وخليفته (أبويوسف يعقوب المنصور)، وكان صنو أبيه شغوفاً بالعلم، محباً للعلماء، وفي مقدمتهم ابن رشد الذي علت مكانته أكثر نظراً لتعدد مواهبه، وتفوقه على غيره، وبلوغ نشاطه العلمي والفكري الذروة كيفاً وكماً، ولتوليه رئاسة الأطباء عقب وفاة أستاذه (ابن طفيل)، وتميز طروحاته الدينية بالتسامح والتيسير التي رآها المنصور من أهم وسائل مقاومة التشدد، وضغوط المتشددين.

لقد ضاق المتزمتون بفكره التنويري، ومواقفه المضادة للتعصب، فوافق هذا الضيق هوى حساده من رجال البلاط، حيث تعاون الفريقان على الكيد له، فنجحوا في إقناع المنصور بمحاكمته، وبعض تلاميذه ومريديه بتهمة الزندقة، وإن قيل إن المنصور كان قد استاء من مخاطبة ابن رشد له بأخي دون ألقاب الخلافة، فلا يبدو، وهو المسلم المؤمن، والحاكم القوي المثقف، والمحارب الشجاع أنه يزعجه التبسط، خاصة أنه معروف بالتواضع، وأن العلاقة التي ربطته بابن رشد، تطورت إلى صداقة متينة دامت سنين طويلة منذ أن كان ولياً للعهد.

إنه رغم خطورة التهمة إلا أن الذين تولوا المحاكمة عجزوا عن إثباتها، فاكتفى المنصور بنفيه إلى بلدة (اليسَّانة) قرب غرناطة التي غالبية سكانها كانوا يهوداً، فالتبس على الكاتب البلوي أن ابن رشد لجأ إليهم دون أن يميز بأن المنفي لا يختار منفاه، واللجوء لمن يستطيع حمايته، واليهود في الأندلس، مدة الحكم العربي لها كانوا من رعايا الدولة العربية الإسلامية، وإن برز بعضهم، فبفضل المناخات التي وفرها العرب، والمسلمون تسامحاً وتشجيعاً، ورعاية للمواهب والمهارات، والقدرات العلمية والفكرية، ومعلوم أن اليهود وجدوا في الحكم رحابة افتقرت لها أوروبا النصرانية التي بلغ اضطهادها لهم العزل، والنفور والاحتقار.

المهم أنه بعد مرور ثلاثة أعوام على نفي ابن رشد عفا عنه المنصور، وأعاده معززاً مكرماً إلى ما كان عليه إلى أن وافته المنية بمراكش، وهو في الخامسة والسبعين عام 595هـ، الموافق 1198م، لكنه ظل في ذاكرة الإنسانية بآثاره العلمية والفكرية التي مهدت للتحولات الكبرى التي توصل إليها: (جاليلو)، و(نيوتن) في علمي: الفيزياء والفلك، و(بيكون)، و(ديكارت)، و(رينيه) في الفلسفة والفكر بفعل التأثر به في القرن السابع عشر الميلادي، فأحدثت هـزة حضارية تمثلت في العصور التالية، فلبت حـاجات الإنسان: العقلية، والبدنية، والنفسية.