اختار لنا صديقي مقهىً نائياً في الدائرة السابعة عشرة من أطراف باريس لمتابعة المباراة النهائية من كأس العالم، وما ظنناه بعيداً تحول إلى حفلة من القلب بوجود ما لا يقل عن عشرة طلاب سعوديين يدرسون الجراحة والباطنة والهندسة في بعض جامعات فرنسا ومعاهدها المتخصصة. هذه هي – السفارة – الحقيقية للمستقبل السعودي، وهذه هي – السعودية – التي نحلم بها جميعا ونشاهدها في عيون الجيل الجديد وهم يملؤون جامعات الدنيا بفضل قرار كريم وإنساني استشرافي من الأب الأكبر الذي كانت – صورته – معنا على طاولة من –صدفة حب – بين مسافر سعودي وبين غرباء هنا من أجل بلدهم ومن أجل مستقبلهم ومستقبله، وكلا – المستقبلين – وجهان لعملة واحدة.

انتهت المباراة وصفقنا لإسبانيا معا، ثم بعدها ما الذي يمكننا أن نقول؟ لا شيء إلا أن نتصارح في أننا تعبنا بالفعل ونحن نصفق لغيرنا من أمم الغرب وحتى الشرق، وأننا سئمنا بالفعل أيضا أن نتحول إلى مشجعين – بالنيابة – عن هذا العلم أو ذاك. نصفق لإسبانيا على رفع كأس عولمي، ولهولندا على الكفاح الرياضي المشرف. أكثر من هذا وأبعد منه – نصفق – لفرنسا لأنها بنت درة علم مثل معهد – باستور – ، ولإنجلترا لأنها الجزيرة الصغيرة التي استأثرت بربع فائزي نوبل، ولليابان لأنها ابتكرت – الميكروتشبس – ، وللدنمارك لأنها تحقن كل مرضانا بإبر الأنسولين، والصين لأنها تملأ أسواقنا بملهاة الأطفال الرخيصة، ولفيتنام لأنها تشحن إلينا حقائب أطفالنا المدرسية.

كل ما أريده لهذا الجيل الواعد الجميل أن يصفق لنفسه، وألا يحمل معه مرض جيله السابق بأن يظل عالة على غيره. أريد منه أن يشجع وطنه بدلا من التصفيق للغير بالإنابة، وأن يجاهد من أجل وطنه في ميادين العلم بدلا من الجهاد – بالوكالة – عن منظمات الإرهاب وتجار حروبه الكاذبة. أريد منه أن يحمل بكل فخر علم وطن يستحق أن نحمله في المعامل والقاعات وفي مكتبات الجامعات ومكاتبها.

وطنكم بين الكفين فلا تتركوا أحداً يسرق هذا الحب وهذا الحلم ولا شيء ينقص لتحقيق هذه الإرادة. نحن نملك المال ومعه الخير، ونحن مفصل اقتصاد هذه الدنيا بأسرها، ونحن نملك كل شيء يلزمنا لنرفع هذا العلم إلى مكان أعلى من إيفل أو برج – مونتبارناس-: لا توجد أمّ على هذه الدنيا أحن بولدها وإليه مثل أمّ اسمها المملكة العربية السعودية وأنا صادق في كل وصف قلته في هذه الأم، أمام كل من كانت علاقته بأمه مشوشة.