كانت مفاجأة جميلة؛ ذلك البيان الذي أصدرته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بشأن ما يحدث في الأقصى من ظلم وإجرام، ونشرته وكالة الأنباء السعودية، وتناقلته عنها الصحف يوم الخميس الماضي، حيث وصفت اللجنة ما يجري من تعديات إسرائيلية وممارسات ظالمة وتشريد الآلاف من ممتلكاتهم والاستيلاء على بيوتهم ومزارعهم ومساكنهم، واعتداء على المصلين والمتعبدين، بأنه إجرام وظلم وبغي في حق القدس والمسجد الأقصى وأهل فلسطين، وأكدت أن هذه الأحداث تُوجب على ولاة أمر المسلمين الوقوف مع إخوانهم الفلسطينيين والتعاون معهم ونصرتهم ومساعدتهم.

للأسف، مرّ البيـان من دون أي صدى كبير في إعلامنا، ونشر كما هو؛ كأي مرسوم أو بيان جامد لوزارة عن قوائمها المالية، فيما تناولته بعض مواقع الإنترنت بتعليقات شاحبة ومشككة، تستغرب صدور البيان في هذا الوقت.

رغم أن البيان يمسّ قضية كبرى تهمّ المسلمين في كل أصقاع الدنيا، وتسجل موقفاً مشرفاً لعلمائنا الكبار، إلا أن الإعلام السعودي بوسائله المتعددة؛ مرّره دون أية تغطيات يستحقها، وفي مقابله؛ أفرد المساحات الكبيرة، والملاحقات الصحافية تترى؛ لفتوى إرضاع الكبير للشيخ العبيكان، دع عنك تعليقات الكتبة، الذين جلّ همّهم تصيُّد كلمة ندّت من داعية، أو التنقيب في فتوى قديمة لأحد طلبة العلم كي يقيموا المناحات الإعلامية عليها؛ ليبدو الحراك الشرعي لدينا "أضحوكة الأضاحيك" للعالم.




والحقيقة، أن تغييب دور علمائنا الكبار وإسهاماتهم من قبل الإعلام في وطني لهو أمر مخجل، فالاتهامات التي تنوشهم من قبل صبية القاعدة والمتطرفين والغلاة؛ بأنهم علماء سلطة، بعيدون عن الواقع، وغير متفاعلين مع قضايا الأمة، هي اتهامات يجب علينا - مسؤولين وإعلاميين- تفنيدها عبر إبراز أدوارهم الحقيقية، وتغطية مناشطهم ومؤتمراتهم الكبيرة التي يعقدونها، ويناقشون فيها قضايا اقتصادية وطبية واجتماعية، من صميم مشاكل العصر، لا بما يردّد أولئك المأفونون من تهم باطلة، لذلك أشعر بتحسّر وألم، وأنا أرى علماءنا الكبار لا يُقدّمون إلا من منبر (نور على الدرب) في إذاعة (القرآن الكريم) فقط.

برأيي، أنه آن الأوان للتفكير جدياً في إعادة المكانة والهيبة لعلمائنا عالمياً، ووضع إستراتيجية خاصة بذلك، لأنك إن يمّمت تجاه مصر، ألفيت الأزهر يقوم بدور كبير في التفاعل مع قضايا الأمة، ويخدمه الإعلام المصري ويرمّزه كهيئة عالمية للسنة، وإن يمّمت تجاه إيران، ألفيت مرشدها لا يفوت أية خطبة جمعة؛ إلا ويصدح برأيه في قضايا المسلمين، فيما تتناقل وسائل الإعلام العالمية ما يقوله.

والمملكة لها ثقلها في العالم بسبب مكانتها الدينية والاقتصادية، وهي دولة السُنـّة والتوحيد الأولى، ولفتاوى علمائنا مصداقية وقبول عند جلّ المسلمين، بيد أنه من الموضوعية؛ الاعتراف بأن حضور علمائنا الدولي خفت بشكل كبير، لذلك كانت المفاجأة من البيان الآنف. هذا الخفوت له أسبابه، وأنا أعلم أن سماحة والدنا الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ ممن يتابع أحوال المسلمين، وتقرأ يومياً له الصحف، وتقدم له التقارير والأخبار، فهو يعيش في صميم الواقع؛ لا بما يتهمه به أولئك المغرضون الجهلة. والحملة على منهج هذه البلاد القائمة على التوحيد قائمة على أشدها اليوم؛ وتقام لأجلها مؤتمرات كبرى في البلاد العربية على امتدادها تحذر من ما يسمى (الفكر الوهابي) ولعل الأمير سلمان بن عبدالعزيز انتبه لذلك التشويه المتعمد الذي تقوم به بعض الجهات المغرضة، ودافع في مقاله مؤخرا عن كل تلك التهم التي تطال الوهابية، وعرّف بها.

ليت سماحة والدنا مفتي عام المملكة - وهو الحريص والمتابع لكل أحوال الأمة- يقوم بالاستعانة بمستشارين، في قضايا السياسة والإعلام، ويتواصل مع ولاة الأمر؛ للبحث في تواجد علماء السعودية بالمحافل الدولية، وإيصال صوتهم ورؤيتهم في كل النوازل والقضايا التي تدهم بها الأمة، عبر بيانات مصاغة باحترافية ودقة ورؤية متوازنة، بما عليه رؤيتنا السياسية.

آن الأوان أن يتسيّد علماء السعودية المشهد الإسلامي برمته، ويصل صوتهم الصادح ضد الإرهاب والغلو والتطرف لكل العالم، وبدلا من إهمال مشاركاتهم وفعالياتهم؛ على الإعلام السعودي بجميع أقنيته إيلاء هذا الموضوع حقه، والقيام بواجبه الوطني تجاه هؤلاء الربانيين الذين أزعم لو قارناهم بالعلماء الرسميين على امتداد العالم الإسلامي؛ لتلمسنا الفرق، وميزنا تجردهم وإخلاصهم.

ترميز علماء المملكة عالمياً؛ واجبٌ واستثمار لمكانتنا الدينية، والمسؤولية على الدولة بمؤسساتها والمجتمع بأفراده.