هناك أشياء بسيطة في حياتنا لا يسأل عنها أحد، لكنها أكثر تعقيداً وضخامة حين تتجمع هذه الأشياء البسيطة المتناثرة من هنا أو هناك لتكون جبلاً لا يشاهده أحد. خذ مثلاً أن نصف مليون طالب وطالبة في الصفين الثاني والثالث الثانويين يدخلون امتحانات – القياس والتحصيل – في خمس محاولات لكل طالب ، وكل طالب واحد يدفع مئة ريال للامتحان الواحد. اضربوا نصف مليون في مئة لا لتعرفوا الحصيلة المدهشة ولكن لتسألوا أين ذهبت هذه الملايين. فيم تصرف وتحت أي حسابات تدخل؟ هل تدخلت جهة رقابية أو حسابية لتسأل عن 500 ريال من جيب هذا أو ذاك، أو عن 150 مليوناً في العام الواحد أو هكذا حسبت؟

جاروس هيفي أشهر محترف اختزال بنكي في التاريخ. تربع هذا الشاب الطموح رأس التقنية الإلكترونية على واحد من أكبر البنوك الأمريكية. وفي أوقات فراغه كان يتدخل لتحويل مجرد سنتات لا تذكر من آلاف العمليات الحسابية اليومية ويكتفي من كل عملية بمجرد – حوالة – لا تزيد في جل عملياته الاحترافية عن خمسة سنتات. كان يستقصد بالعمد تلك العمليات الكبرى التي لا يتنبه فيها أصحابها لبضعة سنتات مفقودة بين آلاف الدولارات وحتى إن انتبهوا فإن المفقود من هذه – الفراطة – لا يستحق عناء السؤال، لأنها حتى بالحساب أقل من تكلفة وقود الذهاب للبنك أو حتى مجرد رسوم اتصال هاتفي. ولاثني عشر عاماً جمع هيفي ثروة هائلة بملايين الدولارات، فقط لأن (أحدهم) أصر أن يسأل وأن يصل إلى الحقيقة. إنها الأشياء التي نعتقد أنها بسيطة ولكن لا يسأل عنها أحد. اشترى عازف جيتار – بلاطة – محطة أنفاق – كنجزكروس – في لندن من بقية العازفين وكان يدفع لهم في اليوم الواحد مئتي جنيه إسترليني من أجل – فراطة – العملة المعدنية التي يرميها العابرون في غطاء الجيتار وهي الظاهرة اللندنية المعروفة. كبرت ثروته ولم يعد بحاجة إلى شراء النفق ولا إلى العزف. أصبح ثرياً جداً وكل هذا بفضل – سنتات – لا تفيد أحداً إن بقيت في جيبه ولكنها بالشهادة ثروة حين تجتمع من آلاف الجيوب في اليوم الواحد. تحدث ذات مرة عن حلمه من الفقر إلى الغنى بفضل ربما – آلاف الفقراء – الذين اجتمعوا ليجعلوه ثرياً. هؤلاء هنا فقط لمجرد المقاربة.