بدأ قيصر الكرة الألمانية فرانز بيكنباور مقالته التي نشرتها "الوطن" أمس بجملة مثيرة قال فيها "سكتت رسل التشاؤم عن الكلام منذ وقت طويل لنجاح مذهل لجنوب أفريقيا في تنظيم المونديال".
لكن النجاح التنظيمي للبطولة، والحفاوة التي قدمتها جنوب أفريقيا لضيوفها لم تتواكب مع نجاح فني على ذات المستوى.
وأجدني مضطراً لمخالفة بيكنباور الذي أشار إلى أن المباراة النهائية قدمت دعاية سيئة عن كرة القدم لأنها اتسمت بالخشونة، وافتقاد التدفق الهجومي، والاحتجاج الدائم للاعبين وافتقاد الحكم للنظرة الشاملة الحقيقية، إذ إنني أرى أن المونديال عموماً لم يرتق فنياً إلى مستوى التوقعات والطموحات، وجاء معجوناً بالخطط، والصرامة الأدائية، لكن دون إبداع، ودون لمحات تبقى في الذاكرة، وأكاد أجزم أن اللقطات التي ما زالت في أذهان المتابعين ربما لن تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة على الرغم من أن المونديال حزم حقائبه منذ ساعات ليس أكثر، ولم يئن له بعد أن يدخل كواليس النسيان.
في مونديال 1994 انطلق سعيد العويران قاطعاً مسافة طويلة مقتحماً بين صفوف البلجيكيين زارعاً هدفاً للذكرى في شباكهم، وقبله بأعوام كان مارادونا يفعل الأمر ذاته في مونديال المكسيك لكن بمرمى إنجلترا، وحتى في مونديال 1984 كانت هولندا تتبادل الكرة مراراً وتكراراً وكان نجمها يوهان كرويف يحصل على ركلة جزاء حتى قبل أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة في المباراة النهائية لذاك المونديال الذي أقيم في عرين الألمان.
كل هذه الذكريات وكثير غيرها يمكن استدعاؤها حينما يكون الحديث عن المونديال وبطولاته الثماني عشرة السابقة، أما عن النسخة الأخيرة فلايبدو عالقاً بالذهن منها ـ ربما ـ سوى بصقة رونالدو، وشتيمة انيلكا لمدربه ريمون دومنيك، وصراع بالاك وفيليب لام على شارة القيادة، وتكهنات الأخطبوط "بول"، والأخطاء الكارثية للحكام.
المونديال الأفريقي جاء خانقاً للمهارة، مفتقداً للمحات التي تنتزع الآهة والتصفيق والهتاف، فتوارى النجوم، وخبا بريقهم، ولم يلفت أي لاعب الأنظار حتى مع محاولات بعض الصاعدين أمثال مسعود أوزيل وتوماس مولر وجيوفاني، وحتى مع رغبة ميسي الأرجنتين استنساخ فعالية ميسي برشلونة، ولهذا لم يكن غريباً أن يسرق مارادونا حتى وهو خارج حدود المستطيل نجومية التعامل مع الكرة بالكعب والصدر وأن يخطف إبداع التمرير والتسديد حتى وهو يلامس جدران الخمسين من العمر.
مونديال 2010 كان بحق بطولة بلا نجوم، وبلا طعم، وبلا لون، وبلا رائحة، ولا يمكن أن يقال إنه يمثل قمة كرة القدم أو عصارة ما وصلته من تطور وتقنية وفنيات.