لسببين، يمكن لي أن أجزم أن كتاب الأستاذ السفير، علي بن عواض العسيري، حول (مكافحة الإرهاب، ودور السعودية في الحرب عليه) قد يتصدر كل ما كتب في الداخلين العربي والسعودي: الأول، لأن الكتاب صادر باللغة الإنجليزية، وهو ما يمثل فكرة اتصال جوهرية مع – المستهدف – بالكتاب وخصوصاً في أتون حرب الأفكار، ذاك أن سواد ما كتب من قبل في المحيط العربي يذهب لذات الذائقة اللغوية من الجمهور الذين ليسوا في حاجة كبرى للاقتناع بكارثية الظاهرة. الثاني، لأن الكتاب صدر عن مطابع – جامعة أكسفورد -، أشهر مؤسسة كتابية جامعية، معروفة بقواعد اختيارها الصارمة، ذاك أنها تقبل للنشر، بحسب موقعها الإلكتروني أقل من 5%، من مجموع المؤلفات المتنافسة للدخول إلى مطابعها، ناهيك عن ذراعها التسويقي الهائل إلى مئات المكتبات الجامعية، وخصوصاً في الغرب الذي أعتقد أنه في حاجة إلى قراءة رؤية موضوعية لنا حول هذا المصطلح. قوبل الكتاب باستقبال جميل حتى في دوائر الإعلام العربي ونشرت حوله بعض الدراسات النقدية من باب المراجعة في صحف الحياة والشرق الأوسط والنهار والأنوار، ووضع المؤلف فيه خلاصة تجربته وبالخصوص أنه يحمل سيرة شخصية ساعدته في الوصول إلى مادة الكتاب. وبالإضافة لتجربته الأمنية الطويلة، عمل سعادة السفير، في باكستان، سفيراً لبلده في منطقة ملتهبة سمحت له بقراءة قصة الإرهاب، على الأقل بصورة تختلف جذرياً عن معظم ما قرأت حول الظاهرة في السابق. واللافت أن توزيع الكتاب يضعه بامتياز كمرجع دراسي أكاديمي صرف يدخل في باب (الكتاب الجامعي)، وربما كان هذا السبب الرئيس في تبني مطبعة انتقائية مثل مطابع جامعة أكسفورد لطباعته. وحتى في سرد الكتاب في فصوله الثلاثة الأولى لتعريف الإرهاب وجدلية ربطه الخاطئ بالإسلام، نحترم للمؤلف تلك الموضوعية التي حاولت احترام عقلية مستقبل مختلف، وناطق بلغة أخرى لأن المؤلف تجنب الخوض العاطفي الدعائي وهو يحاول أولاً: التمييز بين روح الإسلام المتسامحة في السواد الأغلب من المنتمين إليه وبين ظاهرة الأقلية التي يعتقد المؤلف، وبالدليل، أن الإسلام نفسه أول ضحاياها وأن شعوبه ودولها هي من دفع ثمن هجماته المباشرة، وثانياً، لأن الإرهاب ظاهرة عولمية في فترة معاصرة من – نفوذ المحافظين – المتشددين في كل الأديان، ليست حكراً على دين دون آخر. يعتقد العسيري أن الحرب على الإرهاب تستلزم بالموازاة معالجة بؤر التوتر السياسية في خاصرة العالم الإسلامي، وهو مؤمن أن معالجتها لا تشكل مجرد – يقظة ضمير – لقضايا عادلة، بل هي أيضاً تقتل المبرر الكاذب الذي يتدثر به أفراد الإرهاب ومنظماته في تبريرهم لهذه الظاهرة. ولأن الكتاب موجه إلى قارئ مختلف، فقد حرص على معالجة التفاصيل في المعلومات الأساسية حول مصطلحات الإسلام والإرهاب والجهاد، وهي بالضبط تلك المصطلحات المضطربة في العقلية الغربية التي تفتقر لأدنى المعلومات عن الإسلام وعن عالمه، ولربما كانت – الإسلامو فوبيا – في متن الكتاب، وفي مكانها الصحيح بالضبط وبتحليل لافت. وفي الفصلين الرابع والخامس يستعرض المؤلف جهود المملكة في محاربة الإرهاب، ومرة أخرى، ينجح الكتاب في الوقوف على الحياد مكتفياً بالشواهد والحقائق وهي مسألة ضرورية لكي يتمكن – المستقبل – من الحكم بنفسه دون إيحاءات غير موضوعية يفرضها نفوذ المؤلف على مطبوعه. بقي من المساحة ما يمكن أن تختلف فيه مع المؤلف والكتاب وهذا هو الحق الطبيعي مع مطبوع حظي بانتشار واسع في محيطه المستهدف خارج المحيط العربي. أختلف مع المؤلف في تركيزه على أن المعالجة السعودية لظاهرة الإرهاب كانت في الجوهر ناجحة لأن الخطاب الديني، هو من قاد هذه المعالجة. وأنا هنا لا أنكر هذا الدور لهذا الخطاب ولكنني أظن أنه كان جزءاً من منظومة اجتماعية وثقافية وفكرية ساهمت فيها جل المدارس والتباينات على المشهد السعودي وبصورة مؤثرة. أبعد من ذلك، فأنا أظن أن جوهر التيار الديني لم يلحق بالحرب الوطنية السعودية على الإرهاب إلا في الخطوة الثانية وأنه أيضاً تلكأ – قليلاً – أن يكون مع أصحاب الخطوة الأولى دون تفسير واضح إلا لأن مدرسته ارتأت التريث مادام أن الداخل لم يكن مستهدفاً بالإرهاب، أو أن ذات – المدرسة – دخلت على خط المواجهة بعد أن لمست وشاهدت هذا الرفض الاجتماعي الجارف للظاهرة، ومدى انحسار قواعدها الشعبية، وربما لأن المدرسة رأت أن وقوفها على الحياد يفقدها المصداقية أو حتى قد يضعها في دائرة التهمة. وحتى، مثلاً، في مبادرات حوار الأديان، التي أفرد لها الكتاب جزءاً لافتاً، لا يمكن للمؤلف إغفال الأصوات التي وقفت ضد الفكرة العالمية لحوار الأديان، مثلما لا يمكن له أن يتجاهل عشرات المواقع الإلكترونية التي تضج بظاهرة الرفض للحوار. صحيح أن كل هذه الظواهر جزء من المخاض السعودي الضخم في محاربة الإرهاب، وشيء كبير من هذا المخاض لا بد له أن يواجه وأن يتحاور مع قوى الرفض ومع القوى المناهضة للتغيير البناء. حتى ظاهرة – الإرهاب – في وجهها الإيجابي، إن كان للإرهاب وجه موجب، فليس إلا لأنها أحدثت هذا الحراك الاجتماعي الضخم وخلقت حالة وعي شاملة ربما لم نكن لنناقشها من قبل لأنها كانت جزءاً من – التابوه – الاجتماعي والفكري قبل تفشي هذا الجرح الدامل.