لم يكن الملك عبدالله يوماً لنفسه؛ بل هو في كل يوم لشعبه؛ وسيظل هكذا خالداً في ذاكرة كبار وصغار ورجال ونساء وشيبان وشبان أبناء وطنه؛ لِما مَنّ الله به عليه من صفات سيسجلها له التاريخ بين الخالدين على مر العصور.
عبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن.. الملك ابن الملك ابن الإمام.. صاحب البديهة الحاضرة، والذكاء المتوقد، والأصالة الغابرة، والمعاصرة الوليدة، والنظر الثاقب.. عبقري الفطرة.
كانت أول مدرسة فتحت له أبوابها- ليطل منها على العالم الخارجي بفراسة الرجال وثقافة الأرض- هي: مدرسة والده الملك عبدالعزيز؛ حيث تلقى فيها الأحرف الأولى في قراءة التاريخ، بما يحويه من أساليب الحكم والسياسة والقيادة والإدارة، في إطار موروث الصحراء البدوية بكبريائها وسؤددها وإبائها وعنادها وكرمها وشهامتها.. وفي الوقت عينه كان يتلقى في مدرسة أخرى على أيدي علماء عصره صنوف المعارف من أمهات الكتب، فتخرج من المدرستين ليصبح هو ذاته مدرسة لكل الأجيال؛ حيث كان ومازال في سباق دائم لعصره، لم يتوقف منذ نعومة أظفاره؛ فما تلبث تراه في المقدمة؛ ولهذا نال ثقة شعبه والعالم من حوله؛ سواء كان يحارب إرهاباً، أو يقصم فساداً، أو يعلم جاهلاً، أو يواسي يتيماً، أو يحنو على ضعيفٍ، أو يعفو عن مخطئ، أو ينصف مظلوماً، أو يعاود مريضاً، أو يجل عالماً، أو يُقبل طفلاً؛ فإذا التفت، أدار بمهارة فائقة أمماً متوافقة، وأخرى متناقضة؛ جعل من أروقتها مجالاً للحوار؛ لينمو الرأي فيها ويترعرع؛ وليعيش شعبه مع شعوب العالم في حديقة وارفة مورقة؛ كي يقطف الجميع الثمار ويتهادوا الرحيق معاً.. ذلك لأنه يتقبل الآخر، ويؤمن بشراكته في الحياة عقلاً وعملاً وتعاوناً وإنتاجاً من أجل إعمار الأرض التي أتاحها الله للجميع ليعيشوا عليها بكرامة الإنسان وحقه في الحياة رجلاً كان أو امرأة.. ولا فرق في مدرسته بين كبير أو صغير.. غني أو فقير.. رفيع أو وضيع؛ يتقرب إلى كل الناس.. يتواضع لهم.. يدنو رأفة وليناً حين يكون الموقف شموخاً.. ويَهُبّ قوة وحزماً حين يأخذ الحق لمستحقيه.
سَخـّرَ نفسه لوطنه وشعبه؛ بل سخرها لكل الأوطان؛ فها هو يزور الحكومات، ويصافح الشعوب، ويوثق علائق بلده السياسية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية مع كافة الدول؛ ليس ذلك فحسب، بل ويشيع التسامح بين الأديان؛ فتراه اليوم يحاور الفاتيكان لدعم الحوار الإسلامي- المسيحي، وغداً يترأس مؤتمر حوار الأديان في إسبانيا، وبعد غد في الأمم المتحدة، من أجل أن تتعايش البلدان بمختلف أديانها السماوية فوق كوكب واحد وتحت سماء واحدة لتنعم شعوب الأرض بحياة كريمة... كل هذا بعد أن ينفق جل وقته في العمل على خلق أجواء من التآلف بين الإخوة من أبناء البلد الواحد، ثم ما يفتأ يوطد أواصر المحبة بين الأشقاء الأجوار؛ وليس هذا فحسب؛ بل ويسهر على وضع الحلول العادلة في مبادرة عربية تاريخية من أجل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه، ويعيش في أمن وسلام؛ كما يجنح بالشعوب العربية كافة إلى السلم، إذا جنح الطرف الآخر إليه، ليلتفت العرب والمسلمون إلى البناء والتعمير؛ من أجل إسعاد أبنائهم ونهضة حضارتهم، مدركاً بحنكته وموهبته الفذة أهمية كل هذا وغيره في استقرار الشعوب، وإشاعة السلام على هذا الكوكب المضطرب الذي يكاد يتفجر كراهية وحقداً.
هذا العمل الدؤوب، يقوم به في الوقت الذي يعمل فيه ليل نهار لبناء الإنسان السعودي، فيوليه عنايته الفائقة ليوفر له المزيد من خيرات ومكتسبات وطنه لينافس به في ميادين السباق، في جو من الرعاية والحرص الشديدين؛ فأنشأ الجامعات، حتى ما تكاد تسمع عن ولادة جامعة، إلا وأخرى تتمخض لتشق عباب الظلام نحو شواطئ النور؛ في الوقت الذي حرص فيه على إيفاد عدد آخر من أبنائه الطلاب والطالبات إلى كافة ثقافات العالم، ليكتسبوا من حضاراتها التي نشأت قبل مئات أو آلاف السنين، ولينهلوا من علمائها آخر ما توصلوا إليه من علوم لم تتوفر في بلادنا بعد؛ فكان من نتائجها أن برز هناك من أبنائه علماء من الرجال والنساء، في حقول الطب والعلوم الطبيعية والإنسانية؛ ليعودوا إلى مملكتهم فيساهموا في وضع دولتهم في مصاف الدول المتقدمة.. كما عمل على تأسيس جامعة تمثل أنموذجاً لكبريات الجامعات العلمية في العالم.. فما أبعد نظره من راع أجاد قيادة سفينة العلم في عصرٍ أبحر فيه العالمُ باتجاه الأعماق، لا ينتظر من يغرق لأنه لا يجيد الغوص.
إنْ كان عبدالله قد استحق في الداخل والخارج لقب ملك القلوب، فلأن اثنين لا يختلفان على محبتـه، وإن كان قد استحق- أيضاً- ملك العدل والوسطية والإنسانية والعطاء؛ فحُق لنا اليوم أن نسميه ملك الضياء ونور العلم والمعرفة.. مجددين بيعتنا له ما حيينا.
إن ما كتبته عنه- آنفاً- يعرفه العالم كله؛ فما أحرفي إلا تعبيرٌ يسيرٌ صادقٌ صِدق عبدالله.. لكن اعذروني إن لم أستطع اللحاق بإنجازاته، أو إحصائها في صفحةِ صحيفة، فالمتسع لها صفحات الزمان والمكان... أعترف بأنني لم أكتب شيئاً يفيه حقه.