الأساليب التي تتعامل بها البنوك مع مرتاديها من الأفراد العاديين، وهم من غير أصحاب الملايين، باتت تفوق في بيروقراطيتها بعض الجهات الحكومية. فعلى الرغم من أن هؤلاء الأفراد كانوا على مر العصور هم الركن الأساس في عمليات البنوك المصرفية، إلا أن رغبة موظف البنك في تحقيق الربح السريع تجعله يحجم عن خدمة هؤلاء العملاء بالشكل المطلوب، على حساب أصحاب الملايين.
فعندما يرغب أحد الأفراد في الاستفادة من عروض خدمات مصرفية مقدمة من بنك آخر، سيقابل بقائمة لا حصر لها من الطلبات والإجراءات التي تستنزف وقته. بالإضافة إلى ذلك فإن البنوك تقوم بتحديث أنظمتها الإلكترونية باستمرار، موهمة العميل أن هذه التحديثات لمصلحته، ولكن عندما يحاول العميل من الاستفادة من التقدم التقني لدى مصرفه، يجد أن كل هذه الاجراءات إنما استحدثت لحماية البنك أولا، ويدخل العميل ضمنا في هذه الحماية لاحقا كتابع للبنك.
في حال رغب العميل باستخراج قرض من مصرف ما، وقدر الله أن تكون عليه مديونية لبنك آخر، فإن عليه أولا تسديد كل مبالغ تلك المديونيات قبل التقدم بالطلب مهما كان حجمها. بل يتعدى الأمر في بعض الأحيان إلى أن يطلب البنك الجديد من العميل إقفال جميع حسابات بطاقات الائتمان الممنوحة له من البنك القديم، حتى وإن لم يكن حدها الائتماني مستخدما. ولك أن تتخيل الطريقة التي يعاملك بها موظف البنك القديم عند طلبك تسديد المديونية بالكامل، فتتحول المسألة إلى ثأر شخصي. بالإضافة إلى الغرامات التي يفرضها البنك عليك من غرامة تسديد مبكر، وغرامة عدم استفادة البنك من الفوائد التي كان سيحصل عليها لو استكملت فترة القرض.
بعد ذلك تأتي مرحلة استخراج المخالصة التي تفيد بأن العميل قد قام بسداد كل ما عليه من ديون لدى هذا البنك. فعلى الرغم من التطور التقني لأنظمة البنوك في كل فروعها، والتي تفيد أن القرض قد تم سداده فعلا، إلا أن المخول الوحيد لإصدار هذه الشهادة هي إدارة التحصيل. فلا يرغب أي موظف أو أي فرع بتحمل مسؤولية إصدار هذه الشهادة، ولذلك لابد من إدارة مركزية قد تنقصها الكفاءات الإدارية والموارد البشرية، ما قد يمد في أمد استخراج صك وفاة هذا الدين إلى أكثر من ثلاثة أسابيع. قد تكون هذه الاجراءات كافية لإحجام كل من يرغب في الاقتراض عن الإقدام عن هذه الخطوة. ولكن جاءت لنا سمة، والتي أنيط بها دور توفير معلومات المقترضين بين البنوك ووضعهم الائتماني لتزداد الامور تعقيدا. فقد يكتشف العميل أن عليه قروضا قد تم سدادها فعلا منذ عشرات السنين، ولكنها مازالت ترزح في ملفات سمة بسبب عدم تحديثها لمعلوماتها. فهي تستقبل معلومات القروض الجديدة، وتنسى تحديث القروض القديمة. ولهذا فإن لسان حال سمة والبنوك يقول للعميل "راجعنا بكرة"، وإن لم تلفظ فعلا.