أيهما معروف في العالم أكثر جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسية السابق أم زين الدين زيدان، لاعب كرة القدم السابق أيضا؟ الإجابة دون تردد هي لصالح الرياضي وليس لصالح رجل السياسة. ومن نسي بيليه "الجوهرة السوداء"؟ وبالمقابل من يذكر من كان رئيس البرازيل آنذاك؟ سلسلة المقارنات يمكن أن تطول والرياضيون يحتلّون المركز الأوّل في أغلب الأحوال، هذا إذا لم يكن فيها جميعها.
ونفس المقارنة تصحّ كذلك على صعيد الدخل، ذلك أن علاقة الرياضة بالمال أصبحت من المسلّمات ولا تحتاج لبرهان. ولا شك أن زيدان كان يكسب أضعاف ما يكسبه شيراك، كل منهما "عندما كان على رأس عمله"؛ وهو يكسب أضعافه اليوم وهما "متقاعدان"، الأول في الثلاثينات والثاني على مشارف عقده الثامن. لقد أصبح المال وسيلة وغاية في الرياضة، خاصّة على صعيد التظاهرات الرياضية الكبرى وعلى رأسها بطولة كأس العالم لكرة القدم بما يحيط فيها من مليارات إعلاما وإعلانا وتجارة ونشاطات مختلفة.
ولم تتعزز علاقة الرياضة بالمال فقط ولكنها تعززت أيضا بالسياسة. وكانت الصين قد جعلت من الألعاب الأولمبية التي نظّمتها في صيف عام 2008 ببكين مناسبة لإبراز وجهها السياسي الجديد، وليس الاقتصادي فقط، إلى العالم. هذا إلى درجة أن العديد من المعلّقين تحدثوا عن صين ما قبل الألعاب الأولمبية وصين ما بعدها.
وجنوب إفريقيا تريد أن تجعل من تنظيمها لبطولة كأس العالم لعام 2010 حدثا مشابها. وبهذا المعنى تحديدا يمكن فهم واقعة أن نيلسون منديلا "بكى" عندما جرى الإعلان، قبل سنوات، عن اختيار بلاده من بين البلدان التي كانت مرشّحة لتنظيم بطولة السنة الحالية. وكذلك يمكن في السياق ذاته فهم جملة رئيس جهورية جنوب إفريقيا آنذاك "تابو مبيكي" عندما قال: "لقد حانت ساعة جنوب إفريقيا".
أمّا الفرق المشاركة في هذه البطولة فهي تمثّل، فيما هو أبعد من الرياضة، فخرا وطنيا لبلدانها. الجميع يلتفّون حول فريقهم الوطني مهما اختلفت مشاربهم وانتماءاتهم السياسية. ولا تزال ترتسم في أذهان كثر ممن شاهدوا المباراة النهائية بين فرنسا والبرازيل عام 1998 صورة الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك وهو "ينطّ" في مكانه فرحا عندما سجّل زين الدين زيدان الهدف الأول.
ولكن السياسة أرادت استغلال الرياضة في سياق آخر. وتشير دروس التاريخ الرياضي ـ السياسي الأوروبي القريب إلى أن الأنظمة الدكتاتورية حاولت لعب ورقة الرياضة عامّة وكرة القدم خاصّة، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية، لصالحها. موسوليني، رمز الفاشية الإيطالية، استثمر تنظيم بلاده لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1934 لخدمة أغراض سياساته. وقد تردد أنه حاول رشوة حكم المباراة النهائية بين إيطاليا وتشيكوسلوفاكيا. وهتلر لم يتردد في إرسال الفريق الألماني لكرة القدم للعب في لندن عام 1938 دعاية لنظامه.
وفي فترة قريبة، أثنى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق على براعة قدم اللاعب "دافيد بيكام". وكان جاك شيراك قد قرر يوم عطلة رسمية في فرنسا تكريما لفوز الفريق الفرنسي بكأس العالم لكرة القدم عام 1998. الصيغ مختلفة ولكنها تصبّ كلّها في طاحونة الاستثمار السياسي للرياضة.
وتأخذ الرياضة أحيانا لونا سياسيا "متزمتا". المثال السيئ الأقرب لنا هو ما جرى بين مصر والجزائر أثناء مباريات التأهيل لبطولة كأس العالم الحالية لكرة القدم. لقد جرت الأمور للأسف وكأن الأمر يتعلّق بـ "جبهة حرب" وليس بمنافسة رياضية بين إخوة. هكذا دلّ القاموس المستخدم على الجانبين. ولحسن الحظ بقيت الأمور بعيدة عمّا كان قد جرى بين الهندوراس والسلفادور في أمريكا الوسطى عام 1969 عندما قطع البلدان علاقاتهما الدبلوماسية ثمّ نشبت بينهما "حرب كرة القدم" بعد مباراة للتأهيل لكأس العالم. وكانت الحصيلة 2000 قتيل وعدّة آلاف من المصابين.
هناك جملة شهيرة لمنظّر الحرب الكبير كلاوزفيتز قبل قرون جاء فيها: "الحـرب هي متابعة السياسة بوســائل أخرى". وقد يمكن القول اليوم: "الرياضة هي متابعة السياسة بوسائل أخرى".