الوعي الأنثوي استشعر رسالته ودوره في هذا الزمن المحموم فأطلق مناخاته السردية. لتعبر عن عمق الدمار النفسي الذي يحف بالإنسان المسجى بالانكسار والهزيمة والخذلان. عبر استبطان دقيق. وهاجس خفي. وسط ضواغط الذات واحتباس التساؤلات المريرة، هذا ما فعلته القاصة نورة الأحمري في مجموعتها (إصرار) الصادرة عن دار الكفاح للنشر والتوزيع. حين انقادت لشَرك الكتابة. ومصيدة الوجع. ودوامة المكابدة. في لغة طرية وثرية اتشحت بها مجموعتها القصصية رغم ما يبدو على أبطالها من شحوب داخلي. وأمكنة موصدة. وحلم مقموع. ولكنهم محكومون بالأمل والبشارة. فهي لم تحشرهم كتماثيل من صلصال أو شمع. وإنما جعلتهم بشراً مغلفين بالحس والخصوبة. راكضين ومتشبثين بأبواب حلمهم الجميل. ينهضون بين الحين والحين باحثين عن امتداداتهم وصيرورتهم الحافلة بالقلق الجامح. والالتحام المستبد مع الواقع. تنزع بشخوصها إلى الانغمار الواعي فيما حولهم. لتدفعهم صوب تخليصهم من جحيم الاستلاب والإلغاء في نسيج يمنح مخيال المتلقي أدق التفاصيل. واكتمال المشهد في غنائية سردية وحوارية محكية ومعاشة لا تتحقق إلا لتجربة ناضجة. ودراية مفعمة باليقظة. الأحمري خففت من غلواء التجريد. واللغة المراوغة فقدمت عوالمها في مرويات حميمة كأنك تحس بأنفاسهم. ومجمل سماتهم، فلا تستطيع كبح مشاعرهم التي تفيض حولك. كقصة (حقيبة) وما فيها من دراما عاصفة. وتفتيت للروح المرهفة. حين تحلم الصغيرة بامتلاك حقيبة مدرسية بدلاً من تلك الحقيبة المهترئة. حيث يبدأ الحوار الغامض والحار بين الأب والبائع. مما جعل البائع يختم المشهد. وبنبرة حادة (قد يكون زوج أمها) إن هذه القصة تجسد آمال الإنسان وخيباته. فللكاتبة معمار قصصي يعتمد على استحضار الدهشة. وكسر سكونية الحدث. دون أن تتوسل لغة الجسد وعبث التعرية. والتي حولت كثيراً من القصص والروايات إلى مسلخ بشري. وهيمنة حسية مفرطة. فقصصها مكتظة بالحياتي والجوهري. متخففة من الحمأ الممعن في الهتك. والتوصيف الصادم للذائقة. هي لا تلامس سطوح الأشياء ولكنها تغوص في باطنها. فتبدو كينونة شخوصها وهم يبحثون عن وجودهم الإنساني. في ظل الاغتراب ومكابدات الحياة. دون أن يستسلموا لطعنة الهزيمة. وتشظيات الذات. عندما ننظر إلى كل نص على حدة نبصر المتن السردي ينتج أحداثاً متفاوتة منطلقة من قمقم وأغلال تلك الأرواح. مما يسهم في تكثيف وتنامي الفعل القصصي. دون حجب الرؤية لتلك الذوات التي لا تعرف اليأس إلا ما ندر. حين تخلت عن إصرارها.