للهجرة الداخلية من المدن الصغيرة إلى الكبيرة تداعيات سلبية على اقتصاد المملكة بشكل عام، وكذلك على الصحة النفسية لساكني المدن الصغيرة والكبيرة على حد سواء.

يشير د. (إيد داير)، أستاذ علم النفس في جامعة إيلينوي الأميركية، إلى أن الأشخاص يقارنون وضعهم المادي والمعنوي والاجتماعي بوضع الآخرين، وأن نتيجة هذه المقارنة هي التي تحدد مقدار سعادتهم ورضاهم النفسي، فبالتالي قد يعاني المهاجرون من المدن الصغيرة نفسيا عند مقارنة أوضاعهم المختلفة، والتي غالبا ما تكون قليلة الجودة، وخاصة في أعوامهم الأولى من الهجرة، بأوضاع قرنائهم من ساكني المدن الكبيرة الأصليين. وتعد رغبة البحث عن عمل أهم الأسباب الدافعة للهجرة الداخلية، فقد أفصح، على سبيل المثال، ما يقارب من 77% من المهاجرين إلى مدينة الرياض عام 2004 أن البحث عن فرص العمل كان الدافع الرئيسي وراء هجرتهم.

يحسب لصناديق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المملكة تفهم هذا الأمر، فقد أوضح د. عبد العزيز المطيري، مدير عام صندوق المئوية، أن الصندوق سوف يركز مجهوداته في الفترة القادمة على دعم شباب الأعمال في الأرياف والمدن الصغيرة. قد يكون الدعم المادي والتقني كافيين لمساعدة الشباب على إقامة مشاريعهم الخاصة، إن كانا هما المتغيرين الوحيدين في معادلة إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لكنهما في الواقع ليسا كذلك، فبحسب د. سانجيتا بادال، الباحثة في مؤسسة جالوب، فإن المعادلة متعددة الأبعاد حيث تشمل أيضا سمات وخصائص الأشخاص وكذلك الظروف المحيطة.

يتسم الأشخاص الناجحون في إقامة مشاريع مجدية، على سبيل المثال بالتفاؤل، وبتحمل عال للمخاطرة في سبيل إنشاء أعمالهم، وكذلك بالإيمان بأهمية الربح المادي الكبير. لا يختلف سكان الأرياف والمدن الصغيرة عن نظرائهم ساكني المدن الكبيرة (الرياض، جدة، الدمام) في مدى تفاؤلهم، بحسب ما أظهره استطلاع رأي أجرته مؤسسة جالوب للأبحاث على عينة عشوائية من سكان المملكة هذا العام، ولكنهم يختلفون عنهم في مدى تحملهم لجزء من المخاطرة، وكذلك يختلفون في مدى إيمانهم بأهمية الربح المادي. فبينما فضل 64% من سكان المدن الكبيرة إنشاء عملهم الخاص، حتى ولو تضمن ذلك جزءا من الخطورة على العمل لدى شخص آخر، كان الرقم المقابل في الأرياف والمدن الصغيرة فقط 52%. أما بخصوص إيمانهم بأهمية الربح المادي، فإن سكان الأرياف والمدن الصغيرة يوافقون على مقولة "العمل الناجح هو الذي يحقق أرباحا كبيرة" بنسبة تصل إلي 69%. قد تبدو هذه النسبة عالية في الوهلة الأولى، ولكنها تتضاءل عند مقارنتها بنسبة سكان المدن الكبيرة الذين يوافقون على نفس المقولة، والتي تقدر بـ90%. بالرغم من اختلاف سكان الأرياف والمدن الصغيرة عن ساكني المدن الكبيرة في بعض السمات والخصائص الشخصية، إلا أن العقبة الكبرى التي يواجهها سكان الأرياف والمدن الصغيرة الراغبون في إقامة أعمالهم الخاصة تقبع في المناخ الاستثماري في تلك المناطق. فقد أوضح 58% من سكان الأرياف والمدن الصغيرة أن الهيئات الحكومية المعنية تصعب إنشاء وإدارة الأعمال الخاصة على التوالي. تنخفض هذه النسبة في المدن الكبيرة، حيث تصل إلى 36% و 34% على التوالي. من الممكن أن يكون أحد أسباب هذه الأرقام السيئة هو قلة وجود مراكز حكومية لتقديم المعلومات والبيانات التي يحتاجها شباب الأعمال في الأرياف والمدن الصغيرة، و لكن ما يؤكده استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة جالوب هو أن تفشي الفساد الإداري في تلك المناطق يشكل عقبات بيروقراطية في وجه من يريد إنشاء عمله الخاص أو إدارته.