لا شك أن المتهم الأول في زيادة معدلات التلوث في جميع أركان الكرة الأرضية وفي جميع نظمها البيئية هو التقدم العمراني والصناعي وقد أدركت العديد من دول العالم أبعاد هذه المشكلة التي أصبحت تمثل تحديا خطيرا ليس فقط على رفاهية الإنسان فحسب بل أصبحت تهدد وجود الإنسان نفسه وجميع الكائنات الحية الأخرى التي تشاطره العيش على هذا الكوكب، ولقد أدركت بعض الدول الصناعية أبعاد هذا التحدي، وأيقنت أيضا أن حضارتها لا يمكن أن تقوم لها قائمة في وسط هذا الزخم من التلوث، فتجمعت فيما بينها وعقدت العديد من المؤتمرات الإقليمية والعالمية وشرعت آلاف القوانين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كوكب الأرض، فعلى المستوى العالمي عقدت العديد من المؤتمرات العالمية تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة, مثل مؤتمري الأرض الذي عقد في ريودي جانيرو عام 1991 ومؤتمر كيوتو في اليابان أو ما يعرف ببروتوكول كيوتو الذي عقد عام 1992 وتمخض عن عقد هذه المؤتمرات تبني العديد من القوانين والتوصيات العالمية التي كان لها الأثر الكبير في التخفيف من الإجحاف والظلم الواقع على النظم البيئية على كوكبنا الأزرق، وفي العديد من دول العالم أصبحت هذه القوانين البيئية جزءا لا يتجزأ من دساتيرها الوطنية ومخالفة هذه القوانين تعتبر مخالفة دستورية واضحة, وبعض الدساتير لا تكفل حق الإنسان في بيئة نظيفة فقط بل تكفل حق النظم البيئية من الاعتداء عليها وذلك كما في الدستور الأكوادوري, الذي يعتبر امتدادا لما نادى به خبير البيئة كريستوفر ستون Christopher Stone عام 1972 حول الحقوق البيئية للمكونات البيئية سواء كانت مكونات حية مثل الحيوان والنبات أو المكونات غير الحية مثل البحار والمحيطات والأنهر والغابات، ولحماية هذه الحقوق سواء كانت حق الإنسان في بيئة نظيفة أو حق المكونات البيئية الأخرى أنشئت في جميع دول العالم منظمات تشريعية وطنية وإقليمية وعالمية تشرع وتصدر قوانين قادرة على حماية النظم البيئية من أي تجاوزات تسبب إخلالاً في التوازن البيئي, وتبعا لذلك أنشئت المحاكم القانونية البيئية التي تنظم العلاقة بين البيئة والإنسان وتكفل وتضمن تنفيذ العقوبات التي نصت عليها القوانين البيئية, ونحن في المملكة العربية السعودية لدينا نظام للبيئة صادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/34 بتاريخ 8/7/1422 هـ ولا شك أنه نظام قادر على حماية النظم البيئية ولكن حتى يومنا هذا لم تدخل بنوده موقع التنفيذ وفي رأيي أنه لو نفذت بنود لائحته التنفيذية لما تغلغل التلوث في نظمنا البيئية كما نشاهده اليوم!
القانون البيئي من القوانين الوضعية المعقدة, فهو علاقة تفاعلية بين كوكتيل من المبادئ والتنظيمات والقوانين تنظم العلاقة بين البيئة الطبيعية والمجتمعات الإنسانية التي تعيش فيها, ومن أهم أهداف القانون البيئي توضيح وتفسير بنود وأحكام البنود المختلفة لهذا القانون بما يكفل سلامة وصحة ورفاهية المواطنين من جميع أنواع التلوث، وكذلك حماية جميع المقومات البيئية مثل الحفاظ على جودة الهواء والماء والكائنات الحية من حيوان ونبات التي تعيش في هذه النظم البيئية, بما يكفل حماية وتطبيق مبدأ البيئة المستدامة الذي يمثل الركيزة الأساسية في تطبيق مبدأ التنمية المستدامة التي بدورها تكفل رفاهية المواطنين وحماية حقوق الأجيال القادمة في الموارد البيئية, بمعنى أنه إذا كنت مضطراً لقطع شجرة لأي غرض اقتصادي فعليك قبل قطع هذه الشجرة أن تغرس أو تزرع شجرتين لتكفل حق أبنائك وأحفادك في الشجرة التي قمت بقطعها, ومن المسلم به أن القانون البيئي ما هو إلا استخدام لجميع القوانين الوضعية والأخلاقية في حماية النظم البيئية ومعاقبة كل من يسيء إلى هذه النظم أو تعريض مكوناتها للخطر.
ونحن في المملكة العربية السعودية وجميع الدول العربية نفتقر لما يعرف بالقضاء البيئي والسبب أننا إلى يومنا هذا لم ندرك مفهوم علم البيئة، فما بالك بعلم القضاء البيئي الذي يعتبر من أعقد العلوم القضائية الوضعية, وعدم إدراكنا لمفهوم القضاء البيئي أضاع علينا الكثير من الحقوق، وأضرب مثلا على ذلك ما حدث منذ أكثر من 15 عاما من تسرب نفطي من الباخرة الهندية أمام سواحل مدينة جدة، دمر الكثير من الممتلكات العامة والخاصة ناهيك عن الضرر البيئي الذي حدث في النظم البيئية البحرية، أمام جميع هذه الأضرار مجموع التعويضات التي دُفعت لحكومة المملكة العربية السعودية فقط 11 مليون ريال، علما بأن التعويضات بناء على ما حدث من أضرار يجب أن لا تقل بأي حال من الأحوال عن 100 مليون ريال!! وهناك الكثير من المواطنين السعوديين تعرضوا لأضرار صحية كبيرة ناجمة عن التلوث ولعدم وجود قضاء بيئي فقد هؤلاء المواطنون حقوقهم, وأقرب مثال على ذلك ما حدث في حمراء الأسد ومهد الذهب! وسأتحدث عن هاتين القضيتين في مقالات قادمة وأنا أتساءل كيف لقضائنا في المملكة العربية السعودية أن يحكم في القضايا البيئية دون أن يكون له علم بعلم البيئة أو علم القانون البيئي، وفي دول العالم المتحضر من يحكم ويفصل في قضايا البيئة يجب أن تتوفر فيه العديد من الشروط منها أن يكون ملما بمناهج علم القانون العام, وأن يكون ملما ومدركاً بعلم البيئة والعلوم الأخرى مثل علم الكيمياء وعلم الأحياء, وأن يكون محيطا بعلم الاقتصاد والأخلاق والقوانين البيئية الصادرة عن المنظمات العالمية والإقليمية والمحلية خاصة النظام البيئي للمملكة العربية السعودية، فهل وصلنا بقضائنا إلى هذا المستوى! الإجابة بالطبع بالنفي! فكيف لقاضي حمراء الأسد أن يحكم في قضية بيئية دون أن يكون مؤهلا للحكم فيها؟ لنا لقاء مع القضاء البيئي في المملكة العربية السعودية!