بعد وفاة المفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري كان بعض الإخوة من أصحاب الخطاب الديني في السعودية مع موعد لوجبة دسمة من الاتهامات والتطاول على شخص الرجل وقد فارق الحياة في إطلاق بعض الأحكام الوثوقية حول نهاية الرجل على اعتبار أنه الهالك لا محالة وهو ضرب من ضروب التكهن الفكري إذا صح التعبير.
والفكر الجابري يتم الاصطلاح عليه لدى الخطاب الديني السعودي على أنه فكر تنويري، وهو إسقاط فكري من قبل هؤلاء، لأن البعض من الشباب المتحولين من الخطاب الديني إلى الخطاب التنويري كانوا يعتمدون في الكثير من أطروحاتهم في نقد الخطاب الديني على رؤى الجابري الفكرية. من هنا تم وصف فكر الجابري بأنه فكر تنويري، وتتم محاربة التنوير من خلال هذه البوابة التي دخل منها شباب التنوير إلى نقد الأفكار العامة لدى الخطاب الديني المحلي لتقويض السلطة المعرفية التي يتمتع بها الأخير.
إشكالية مثل هذه القراءات وإطلاق الأحكام أنها قراءات تحريضية تهدف إلى التخويف من تداول الفكر التنويري أو تأطيره في أطر اتهامية محددة لإبقاء الوضع كما هو وحتى يتم ضمان عدم تغلغله في الداخل الثقافي، إلى جانب كون هذه القراءات جاءت في سياق احتدام الصراع بين الفكرين: الليبرالي، الديني على المستوى الثقافي المحلي، أي يأتي نقد الخطاب التنويري من خلال نقد الأشخاص الذين روجوا لمثل هذا المصطلح وحاولوا تبيئته في الواقع الثقافي، ولهذا فإنه من الصعوبة أن يتفهم الخطاب الديني الخطابات الأخرى، ذلك أن الاحتراب الثقافي يسيطر على الساحة الفكرية وتدور القضايا الفكرية وفق ما يتم تناقله من نقض الأفكار من قبل الأطراف المتنازعة حول محاولة السيطرة على فكر المجتمع ككل، لذلك غيب القراءات الموضوعية لأجل القراءات الأيديولوجية أو القراءة ذات النفس الاحترابي.
هذه الفكرة تتكرر بين حين وآخر في أي قضية فكرية أو ثقافية جديدة على المجتمع السعودي، إذ يتصدى الخطاب الديني دائما في محاولة عرقلة تبيئتها كنوع من الوصاية الفكرية على المجتمع، والتهمة الجاهزة دائما هي تهمة من قبيل التغريب أو الضلال أو العلمنة أو غيرها. ويكفي أن توصم الفكرة بالتغريبية حتى ينفض عنها المجتمع بحد زعم ممثلي الخطاب الديني. وهذا بالطبع أحد أساليب تحجيم الأفكار من الانتشار. هذا الأسلوب ما يزال يعمل به منذ أكثر من مئة عام تقريباً وحتى أيامنا هذه رغم تفكك الكثير من التهم ورغم انكشاف الخدع التي يتبناها الخطاب المحرض دائما، ورغم أيضا تحول الخطاب الديني في بعض رموزه إلى تبني وجهات نظر المخالفين بعد سنوات إلا أن الأسطوانة ما يزال يعاد إنتاجها بين حين وآخر.
وبغض النظر عن كون الشباب الذين حملوا على أكتافهم تبيئة خطاب التنوير من داخل الخطاب الديني كانوا فعلا تنويريين حقيقيين وعميقين في فهم التنوير أم إنهم أقرب إلى المزاوجة بين خطاب التنوير والخطاب الديني لطرح خطاب إسلامي متعقلن على اعتبار أنهم نصف تنويريين ونصف إسلاميين... أقول: بغض النظر عن كون هؤلاء هم من طرح فكر التنوير أم غيرهم من الشباب المهتم بالفلسفة وهم الأعمق في فهمها وطرحها حتى الآن إلا أن مفهوم التنوير مفهوم عام يمكن موضعته في السياق النقدي لأي فكر يحاول النهوض على نقض الأفكار الوصائية بحيث يصبح الرجل هو مالك عقله ويرفض وصاية الآخرين مهما كانت هذه الوصاية، وأن يصبح العقل والتفكير الفلسفي النقدي هو الأكثر فاعلية على عقل الإنسان من الأفكار السلطوية مهما كانت: سياسية أو دينية أو اجتماعية أو حزبية أو حتى معرفية... أقول السلطوية لأن الأفكار يمكن أن تتزاوج أو تتصارع أو تندمج بين بعضها البعض، وحين نقرر أن التنوير هو نقض للفكر السلطوي على الإنسان فإننا نؤكد على أهمية كل واحدة من هذه السلطات بحيث إنها أفكار ولا إشكالية في الفكر إن لم يتحول إلى سلطة مهيمنة على فكر الإنسان، أي تصبح جميع هذه الأفكار تحت مجهر النقد كل مرة والتصحيح والتعديل أو حتى التقويض الكامل.
يعرف فيلسوف التنوير كانط التنوير على أنه: (خروج الإنسان من حالة القصور العقلي التي وضع نفسه فيها). كما عرف حالة القصور العقلي بأنها: (التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي)، ومحاولة الخروج من حالة القصور العقلي هي أهم فكرة في تعريف التنوير عند كانط كونها تقوض كل السلطات الفكرية مقابل التفكير الذاتي بكل قضايا الوجود وفاعلية العقل النقدي الذاتي وليس من السهولة أبداً كسر هذه السلطات الفكرية كون هيمنتها أكبر بكثير مما يعتقد الواحد منا إذ يمكن أن يتعرض المرء إلى الكثير من الأذى الشخصي لا على المستوى الفكري وإنما حتى على المستوى الجسدي ويمكن أن يذهب ضحية أفكاره التنويرية بالجملة كما حصل لكثير من المفكرين في العصور التنويرية الأوروبية أو حتى العربية في عصرنا الحاضر على الرغم من أن حقوق الإنسان تعمل الكثير من أجل حماية الحرية الفكرية لدى الأشخاص.
من هذا المنطلق لم يكن التنوير فعلا عادياً بل هو فكر يصل إلى أعمق مستويات الفكر الإنساني ويقوض كل الذهنيات التي تحاول السيطرة على عقل الإنسان بأي طريقة، وهنا مكمن خطره الذي يراه الخطاب الديني المحلي كونه يهدم السلطة التي يتمتع بها الخطاب الديني في السيطرة على فكر الناس ومعتقداتهم وتسييرهم حسب أهواء ممثلي ذلك الخطاب. هنا يصبح التنوير القنطرة الفكرية إذا صح التعبير، من محاولات النهوض من التقييد الفكري إلى الحرية الفكرية التي لابد أن يتمتع بها المجتمع بحيث يصبح هو من يقرر خياراته الحياتية؛ لذلك يحرص الخطاب الديني على محاولة قراءة الفكر التنويري قراءة أيديولوجية لمحاولة ضمان الإبقاء على الأمور كما هي، وتهويل الكثير من الأفكار التي يتبناها بعض الشباب التنويريين لمحاولة هدم الخطاب التنويري قبل أن يفعل فعله في عقول الناشئة فيصبح فيما بعد هدماً لهيمنة الخطاب الديني.