لو كنتَ "معلِّماً" وقررت أن تكون صادقاً مع طلابك، ولم تكتفِ بتفتيح قلوبهم على رحمة الخلاف الفقهي في الغناء، بل وحاولت أن تنمي ذوقهم بما يؤكد رهان الموسيقار العظيم/ "نصير شما"، الذي صرح به لـ"أحمد الزين"، في "روافد العربية" يوم الخميس الماضي قائلاً: "لن تجد موسيقياً أو متذوقاً للموسيقى صار مجرماً"! فتعرضت لكل أنواع الأذى، لفصلك وإبعادك عن التعليم، والإعلام، ومنابر التوجيه! فلا بد أن تسعد بفتوى الإمام والخطيب والمقرئ/ "عادل الكلباني"، عن الغناء في نسختها الرابعة التي تقول: "إنه جائز وبالمعازف، وبأي صوت، ولكني لا أسمعه"! وللتذكير؛ فإن النسخة الأولى كانت: التحريم بلا هوادة! والثانية كانت: هناك خلاف، فمن الفقهاء من يجيزه بلا معازف! والثالثة كانت: لا بأس بالغناء مع "الدفوف"؛ كما في "السامري"، و"الخبيتي"، و"العرضة"! فإذا طبقنا لعبة الاحتمالات الرياضية العقلية، فلابد أن تكون الخامسة: أنه مباحٌ وبالمعازف، وبأي صوتٍ، و"أنني أسمعه"، إذا كان المفتي "سعودياً"! أما الفقيه "المصري"/ "محمد الغزالي" فقد صرح ،قبل نحو ربع قرن، أنه يجيز الغناء، ويستمتع بـ"فيروز" ـ يسلم ذوقك ياشيخ ـ مادفع الدكتور/ "سلمان العودة" إلى تأليف كتابٍ بعنوان: "حوار هادئ مع الغزالي"، استمات فيه لتحريم الغناء! ولكنه تراجع بعد عشرين عاماً، وأعلن في برنامجه الرمضاني "حجر الزاوية" لعام 1429هـ، وبأسلوبه الرمادي المعهود بأن: "هناك من يجيزه وله أدلته الوجيهة، وهناك من يحرمه أو يكرِّهه، وله أدلته الوجيهة أيضاً"!
وستسعد أكثر لو كنت كاتباً كالزميل الوطني/ "عبدالله ثابت"، الذي تعرض للنقل التعسفي من عمله؛ لأنه طالب ـ في مقالةٍ واحدة ـ بتدريس الموسيقى في كتاتيبنا!
لابد أن نبتهج جميعاً بهذا الحراك الفكري، الذي يتيح "للكلباني" أن يجهر بما عرف من الحق ويتيح لمن يخالفه، أن يرد عليه وينصحه ـ دون خوفٍ من عصا "الإقصاء"، و سياط "التكفير" ـ في مخاضٍ يفضح أسلوباً عريقاً من أساليب "تيار الصحوة" في ممارسة النقد إرسالاً واستقبالاً، وهو: "الشخصنة"! فما قول "الكلباني": "ولكني لا أسمعه"، إلا إبقاءً على شعرة "معاوية" مع مخالفيه، الذين انشغلوا جميعاً ـ ولكيلا تتهم بالتعميم قل: كلهم بلا استثناء ـ بالتقليل من "شخصه" وأهليته للفتيا، كما ينشغل القاضي بالشاهد تزكيةً وتجريحاً عن القضية! بل وخاض "البعض" في نواياه، فوصمه بحب الشهرة، والبحث عن مناصب دنيوية، ولو على حساب الدين!