من أبرز ملاحظات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي ظهرت على السطح الإعلامي مؤخراً: تهالك بعض المباني الحكومية، وتدني مستوى الصيانة والنظافة بشكل عام، الذي ترتب عليه طفح مياه الصرف الصحي، وتسرّب المياه في الأقسام والإدارات، وانتشار البكتيريا والجراثيم، وضعف وحدات التكييف، ووجود أسلاك كهربائية مكشوفة، مما يشكل خطراً على أمن وسلامة الموظفين والمراجعين.

وفي ضوء الملاحظات السابقة فإن مبررات الجهات الحكومية تتمثل في قدم المبنى وانتهاء عمره الافتراضي، بالإضافة إلى سوء أداء شركات الصيانة والنظافة وعدم التزامها بتنفيذ شروط ومواصفات العقد، وضعف المخصصات المالية لمثل هذه العقود.

وفي المقابل، ترد الشركات والمؤسسات على الاتهامات السابقة بالقول إن سبب سوء التنفيذ يعود إلى عدم صرف مستحقاتها المالية لفترة طويلة، وبالتالي لا تستطيع دفع رواتب العمالة مما يؤدي إلى إضرابهم أو التغيب عن العمل، كما أن إجراءات استقدام العمالة تأخذ وقتا طويلاً لإنهائها، وفي بعض الأحيان قد تتعطل لأسباب بيروقراطية، وهذا هو السبب الحقيقي في نقص عمال الصيانة والنظافة.

وللرد على الحجج والمبررات السابقة سواء كانت من الجهات الحكومية أو الشركات، أقول: إن حجة قدم المبنى وانتهاء عمره الافتراضي، ليست مبرراً لسوء الصيانة والنظافة، فهناك مبان يتعدى عمرها أكثر من خمسين عاماً ومع ذلك نجدها مباني حديثة وتواكب التقنية، وبالنسبة لضعف المخصصات المالية للعقود، فكيف يمكن تبرير حرص كثير من الشركات والمؤسسات للفوز بمنافسات عقود الصيانة والنظافة؟ وكيف يمكن أيضاً تبرير ضعف هذه الشركات فنياً ومالياً في ظل نظام تصنيف المقاولين؟

أما بخصوص مبررات الشركات والمؤسسات فهي أيضاً تخالف الحقيقة، فلو سألناهم: لماذا لم تصرف مستحقاتكم؟ أليس السبب هو أن الأنظمة والتعليمات تقتضي عدم صرف أية مستخلص مالي بسبب عدم الالتزام ببنود العقد والحصول على درجة متدنية في الأداء؟! فلماذا لا تلتزم هذه الشركات باتفاقياتها وتعاقداتها؟ وهل يا ترى أن تأخر إجراءات الاستقدام هو السبب الحقيقي في نقص العمالة وبالتالي سوء الأداء؟ إذن كيف نفسر أن الأنظمة والقوانين أكدت على تسهيل الإجراءات مع تقديم تسهيلات للاستقدام متضمنة في الشروط العامة لعقود الصيانة والنظافة؟

نستنتج مما سبق، أن جميع المزاعم والمبررات التي يسوقها البعض لتبرير تهالك المباني وسوء الصيانة والنظافة، ما هي إلا حجج واهية وغير منطقية، وتخلف وراءها الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة وتحليل.

قد يقول قائل: "إن مشكلة عقود الصيانة والنظافة تكمن في صياغة العقود نفسها من حيث الشروط والمواصفات، فضلاً عن صرامة القوانين والبيروقراطيات الحكومية، لذا يتم استغلال بعض الثغرات للتخفيف من وطأة الأنظمة والتعليمات"!

هذا الكلام لا يخلو من وجاهة منطقية، إلا أنه مثل اللعب بالنار الذي يحرق الجميع، فلا أحد ينكر أن بعض الجهات الحكومية تعاني أشد العناء من سوء الصيانة والنظافة، وتتوالى الضغوط على الإدارات المشرفة لكتابة تقارير جيدة عن أداء المقاولين رغم سوء التنفيذ، وذلك بحجة صرف المستحقات المالية لما تقتضيه المصلحة العامة وحتى لا يتعطل العمل بشكل كلي.

ما يحصل في واقع تنفيذ عقود الصيانة والنظافة هو تلاعب وفساد بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك لأسباب عديدة قد يكون أحدها هو تركز التكاليف المالية لمثل هذه العقود في بند العمالة، حيث تشكل ما نسبته (70%) تقريباً من التكاليف الإجمالية، وباقي التكاليف تتوزع على البنود الأخرى، مثل قطع الغيار والمواد الاستهلاكية، وهنا ينشأ التلاعب، وذلك لأن المقاول يحرص على تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح، أما من خلال تقليل التكاليف على حساب الجودة، أو استغلال العمالة في أعمال غير مشروعة.

وهناك نوعان من التلاعب: الأول تلاعب ظاهر، وهو معروف للجميع وينظر إليه على أنه عرف بيروقراطي ومن أشكاله، ما يلي:

• استخدام قطع غيار مقلدة وغير أصلية، ومستهلكات رديئة الصنع.

• مسيرات الرواتب لا تمثل المدفوعات الحقيقية للعمال بالرغم من توقيعهم على الاستلام في هذه المسيرات.

أما النوع الثاني من التلاعب فهو تلاعب خفي يتمثل في الآتي:

• استغلال تأشيرات الاستقدام في البيع والمتاجرة بها، واستغلال تسهيلات نقل الكفالة بأخذ مبالغ مالية من العمالة، رغم أن الدولة تتحمل الرسوم المالية.

• دخول شركات ومؤسسات غير مصنفة في نشاط الصيانة والنظافة، وذلك عن طريق اتفاقيات التضامن، والتي تكون في بعض الأحيان مزورة أو تكون شكلية مقابل نسبة مالية من قيمة العقد، وفي الغالب يتم التنصل من هذه الاتفاقيات من قبل الشركات المصنفة.

هذا باختصار شديد ما يحدث في عقود الصيانة والنظافة، ناهيك عن سوء الإدارة والمتابعة من قبل بعض الجهات الحكومية، مثل ضياع مخططات المباني وتجزئة المشاريع للدخول في الشراء المباشر والتلاعب في المواصفات الفنية للعقود.

وعلى أية حال، من الضروري النظر في العقود الحالية للصيانة والنظافة والتحول إلى نظام عقود الأداء من خلال احتساب التكاليف الفعلية للعقود وفقاً للأسعار السائدة مع إضافة هامش ربح معقول. وعلى هذا الأساس يكون التنافس بين الشركات والمؤسسات، مع الأخذ في الاعتبار التركيز على الثغرات التي يستطيع استغلالها المتلاعبون في مثل هذه العقود، مثل عقود الباطن واتفاقيات التضامن والضمانات المالية والمتاجرة بالتأشيرات، مع تطبيق المادة (77) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية والتي تنص على أنه: "يجب على المتعاقدين والجهات الحكومية تنفيذ عقودهم وفقاً لشروطها، وبحسن نية وبما يقتضيه حسن سير المرفق العام ومصلحته. وعلى الوزارات والمصالح الحكومية إبلاغ وزارة المالية بحالات الغش والتحايل والتلاعب فور اكتشافها، وكذلك تزويدها بالقرارات التي تتخذ بهذا الخصوص، بما في ذلك قرارات سحب العمل"، وقرارات السحب إما أن تكون تنفيذاً عل حساب المتعاقد وإما فسخاً للعقد.