بالرغم من كم الأعمال الهائلة التي نشرت عن إبداع المرأة بصفة عامة وكتابة المرأة بصفة خاصة، إلا أن مسرح المرأة في العالم لم ينل إلا قسطاً بسيطاً من الاهتمام، ويبدو ذلك مثيراً للفضول للوهلة الأولى، فتاريخ اشتغال المرأة بالمسرح طويل، ومع ذلك صحت المقولة الخاصة بعدم الاهتمام بمسرح المرأة على المستوى الدولي إن جاز التعبير.
هذه حقيقة تؤدي إلى استمرار كل أنواع الفهم الخاطئ والافتراضات المغلوطة، وعلى رأسها الاعتقاد بأن النساء كن وصلن متأخرات إلى ساحة العمل المسرحي في القرن السابع عشر، وندر أن وجد أي اشتراك للمرأة فيما يتعلق بالشؤون الخاصة بالإدارة والإنتاج، ومنذ سنة 1931 نشرت (روز جيلد) دخول النساء في المسرح، وبرغم نشر عدة دراسات فردية عن ظاهرة تاريخ المرأة في المسرح إلا أن كتابها لا يزال يعد الكتاب الوحيد الذي يتناول الموضوع على نطاق واسع. فهل الإشكالية كما قال فوزي فهمي؟:
"منذ طرح الرجل سؤال التعيين لماهية المرأة ثم راح يجيب عنه وحده بالوكالة وفق تصوراته، ينتج وينشر صورا تستهدف وضع تراتبية اجتماعية وبيولوجية، ظلت المرأة خاضعة لمحاولات التدجين التي تفرضها ثقافة الرجل في شتى مجالاتها، بقوة هيمنة تحرم المرأة من حرية أفكارها بشكل يحرمها من حرية التفكير". وتقول (جانيت براون):
"تقدمت 1977 برسالة دكتوراه موضوعها الدراما النسوية، وكخطوة أولى لا غنى عنها قمت بالرجوع إلى الأدب بصفة عامة من خلال استعراض له هالني أن اكتشفت أنه لا توجد تقريبا كتابات تناولت هذا الموضوع".
فى هذه الكلمات تسعى جانيت إلى تثبيت مفهوم سائد تتفق فيه مع فوزى فهمي، وهو السعي للتخلص من سلطة الرجل حين تقول: "إنه سعى نحو الاستقلالية من مجتمع أبوي".
إنه السعي وراء تصنيف المبدع النسوي وهو في نظري فصل تعسفي، فإبداع المرأة ما هو إلا نتاج إطار مرجعي تحمله المرأة، يتضح بكل معطيات التراث تحمل بداخله هموم المرأة على جميع المستويات هموم نسائية ورجالية، ولا تختص بهموم المرأة نفسها، والرجل أول من كتب عن هموم المرأة، مثل "نورا" على سبيل المثال في بيت الدمية لـ(أبسن) الذي عالج قضيه حرية المرأة في القرن التاسع عشر في أوروبا، إذ ذكر النقاد أن صفعة نورا للباب حين خروجها قد هزت أرجاء المجتمع الأوروبي آنذاك. وهذا لا ينفي أن هناك عبقا خاصا لإبداع المرأة، ولكنه لا يخضع للتصنيف بل يحتاج إلى فهم دقيق بفهم الكتابة ومدارسها وتقنياتها لاختلاف هذا الجنس الأدبي عن بقيه الأجناس الأخرى، وتقول الناقدة العالمية سوزان باسنت:
"منذ امرأه الشامان.. مرورا بنجمات برودواي.. وحتى عهد الداعيات للحركة النسوية شكلت هذه الرؤية دور المرأة في المسرح، فقد ظلت النساء في خدمة الفن والناس بعد تحررهن من قمع الرجال بفضل الظروف غالبا، وبإرادتهن أحيانا، وتحررهن كان بغرض ترك بصمة في هذا العالم وبهدف تنميه الذات".
مقولة محيرة فالكل في هذا المجال من الباحثين في الغرب يطلقون هذا التفسير على جميع الإبداعات النسوية، حيث يرون أن عالم المرأة عالم أبوي! أما في الشرق فيختلف الرأي، فـ"طاغور" الفيلسوف الهندي يناقض هذه الآراء تماما، فهو يرى أن المرأة تتلذذ بوجودها في كنف الرجل وحمايته فيقول: "متى أحبت المرأة كان الحب لديها نبراسا وكان حبيبها موضع التبجيل".
وفي موضع آخر تقول "بيجالا" فتاة هندية: "ما ترك لي زوجي مجالا لأقدسه وهنا عظمته، ثمة رجال يريدون تقييدها إن حب زوجي إياي كان ملؤه الإخلاص لكن خلقت لأعطي أ كثر مما آخذ، الحب يشبه تلك الأزهار التي تنمو في السهول أكثر مما تنمو في أواني البلور".
إن زوجها دوماً يشعرها بمساواتها إياه في كل مجال فكان إذا قالت له: "إن أخطاء النساء صغيرة معوجة" أجابها: ليس هذا ذنب المرأة بل ذنب المحيط، ألا ترين أن أقدام الصينيات صغيرة؟ لأنها جبلت على الضغط منذ الحداثة، هذا التصور لدى فلاسفة ومفكري الشرق يقودنا إلى مفهوم أكثر نضجا، وهو السلطة الاجتماعية برمتها، فإبداع المرأه ليس تحررا من سلطة الرجل كما في الغرب بقدر ما هو هجين ذو مذاق خاص ونكهة متفردة تكفي بجميع الجوانب الاجتماعية وأثرها عليها في الشرق، فصورة الانسلاخ من جلد مستعار في لغة مستعارة كانت واضحة وجلية، في أعمال العديد من المبدعات، فتقدم كائنا جديدا يولد من رحم مكبل بأعباء الماضي من خلال طرح التساؤلات والاتصالات إلى المشاعر الداخلية عندما يحدث ذلك لأول مرة. تقول الكاتبة الفرنسية هيلين سيكو:
"لقد شعرت مرارا بسيل جارف ومضن أستطيع أن أفجره في أشكال أجمل بكثير من تلك الأشكال المحدودة، والمشكلة داخل إطارات بمقابل ضخم وكريه، وأنا أيضا لم أقل شيئا ولم أظهر شيئا، لم أفتح فمي ولم أعد طلاء النصف الخاص بي من العالم، لقد شعرت بالخزي والعار، لقد كنت خائفة فابتلعت عاري وخوفي وقلت لنفسي أنت مجنونة. ما معنى كل هذه الهزات؟ تعتريني هذه الفيضانات والانفجارات".
تتساءل عن الطاقة الكامنة التي لا بد أن تتفجر في إبداعاتها ليفصح اللاشعور لدى المرأة عن محتوى فكرها ومعاناتها، وفي تناولاتنا لنماذج من إبداع المرأة في المسرح في الوطن العربي واجهتنا مشكلتان جديرتان بالبحث والتحليل أولهما ندرة إبداع المرأة في التأليف المسرحي وإن وجد افتقد للحرفية الدرامية، ثم ما هي صورة الرجل عندها إذا؟ حين تناولت الرجل في نصوصها لم يكن هدفها الأساسي هو تصوير الرجل أوالوقوف أمامه بالسلب أو الإيجاب وإنما كانت الصور الرجالية الباعثة للأحداث الدرامية حيث كان الرجل هو المحرك للحدث والباعث للدراما والكامن وراء الأحداث مما يصف هذه الإبداعات بما يسمى بالاغتراب، والاغتراب أو الضياع، فنجد أن النماذج النسائية تضع نفسها في مواقف أمام الرجل مما يستدعيه لممارسة أشكال القهر الذي يتولد من موقف الاغتراب لدى الشخصية النسائية مما لا يتيح لنا البحث في صورة الرجل بدون النظر في صورة المرأه نفسها.