نحن نعيش في عصر القرية الكونية التي تغير فيها كل شيء حتى لم يصبح الفرد في مجال الإعلام مثلا مجرد مستقبل، بل أصبح منتجا يستطيع أن يبث أفكاره وتصل إلى كل من يريده عن طريق مواقع الاتصال الإلكتروني، الـ"يوتيوب" و"تويتر" والـ"فيسبوك" وغيرها.. والمفروض أن يعيش إعلامنا المرحلة ويتذكر دائما أنه يعيش عصر العولمة، لأنه كما قال جون نيسبت في كتابه (التحول الكبير): "من السخف ألا نعيش عصر العولمة في عصر العولمة." وسبق أن علقت على هذا القول بأنه تلطيف للمشكلة، لأنه في الواقع من التخلف ألا نعيش عصر العولمة في عصر العولمة. ولعلكم تشعرون بما أشعر به عندما تشاهدون التلفزين أو تقرؤون الصحيفة.. لعلك تشعر بالغضب عندما يضيع وقتك وتستخسر القيمة التي دفعتها ثمناً للصحيفة عندما لا تُقدم لك فائدة أو متعة وتشعر أن صاحب البرنامج أو الصحيفة قد خدعك بسرقة وقتك ونقودك.. ثم إنك تشعر من ناحية أُخرى أن الأمة التي تنتمي إليها وتعتز بها لما لعقيدتها من عظمة ولما لتاريخها من صولات وجولات في كل المجالات أنها تقبع في هذه المكانة.
وبما أننا في رمضان فقد اعتاد المشاهد على بعض نماذج من النجاحات، وتكونت لذلك وبرزت أسماء وكنا نتوقع أن يمتد بها النجاح أو تتوقف إذا لم تتمكن من ذلك، تبعاً للمقولة الشهيرة: البقاء في القمة أهم من الوصول إليها.. لكنها وبشهادة الجميع انزلقت إلى أعمال تخلو من كلا الهدفين، الفائدة والمتعة، وفيها تكرار ممل لقضايا سبق عرضها ثم تُعرض بطريقة فجة وسخيفة.. هذا من ناحية.. ومن ناحية أُخرى وبعرض تفاصيل أوسع وحديث أشمل للواقع العربي وإعلامه نجد أن معظم القنوات لم تُؤسس على مبدأ المنفعة أو تقديم الخدمة الإعلامية للمشاهد، لكنها أنشئت على أساس جلب المال بطرق خالية من الذوق أو المتعة أو الأخلاق.
للأسف الشديد، يُصدم المشاهد العربي حين يحاول أن يقضي بعض الوقت أمام التلفاز، ويشاهد بعضا من تلك البرامج الترفيهية أو التعليمية أو حتى الرياضية أو ما يمكن بأن يُشاهد للمحاولة للخروج بشيء نافع مفيد، أو حتى مسلٍّ بمستوى مقبول.. يُصدم بما يجد في ذلك الكم الهائل من القنوات الفضائية من هراء ولغو وتفاهات وعبث بعقول المشاهدين، وخروج عن كل قواعد الأدب والاحترام لعقلية المشاهدين دون حسيب أو رقيب. قد نستثني من تلك البرامج القليل جدا مما هو جيد، لكن الغالب الأعم ضرره أكثر من نفعه.
ما ذنب المشاهد؟
إعلامنا يعاني من مشكلتين:
1- لم يستطع الوصول بقضايا الأمة إلى حيث يجب. وهذه قضية استهلكت بالنقاش والحوار.. ولا حل..
2- ولم يأخذ في الحسبان في الغالب الأعم مثل الأمة وقيمها ويراعِها.
ولأنه لا يمكن التحكّم في عصر الانفتاح الإعلامي، فإن أخلاق الشباب ومثلهم وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم، وفي كثير من الأحيان دينهم، وفي كل الأحيان جيوبهم، في خطر.
بعض تلك القنوات التي كان ينتظر منها تحقيق العمق المعرفي والمتعة انزلقت في هذه النمطية وضحكت عليها بعض الشركات التي قدمت لها بعض المال لقاء شراء بعض البرامج، وإحداث بعض البرامج التي لا هدف لها إلا استحلاب جيوب المشاهدين المساكين.
يُفترض في الإعلام المرئي المحترم الحرص على المشاهد فكراً واستمتاعاً، والابتعاد عن التساوي والمقارنة وتقليد تلك القنوات التي لا هدف لها سوى ابتزاز المشاهد وطرح برامج مسابقات سخيفة لا نفع فيها. يُفترض في الإعلام المرئي المحترم عدم الانجراف إلى إغراء الشركات التي قدمت له المبالغ نظير تلك البرامج. إنها دعوة للقائمين على مثل هذا الإعلام الرخيص للحفاظ على صورتنا والحرص على أخلاق شبابنا.
يقول المنظرون الإعلاميون: "إن علينا أن نكون واقعيين في النظرة إلى واقع الإعلام ونشوء البرامج وتطورها في العالم، لذا لا يمكننا أن نكون انتقائيين في موضوع العولمة، خصوصا أن الإعلام لم يعد يخضع كما السابق لمنظومة الشروط الأخلاقية والمهنية، وبرامج المسابقات هي جزء من هذه النظرية التي لا تخضع لمنطق المصداقية والعدالة، بل ينطبق عليها مبدأ العرض والطلب، مما يقود إلى رفض تحميل كل المسؤولية على وسائل الإعلام التي تبث هذه البرامج". هذا المبدأ الأعوج الذي تُقر فيه البرامج على معادلة العرض والطلب لا يتفق مع الأهداف السامية لهذا النوع من الإعلام.
المتعة مطلوبة والفائدة مطلوبة وبث مسابقات ثقافية ترفيهية أو فكرية أو اجتماعية أو إنسانية ترتقي بالأخلاق والتعامل بديل مطلوب. القضية في رأيي هي مسألة مبدأ ومسألة مهنية ومسألة مصداقية.
إن المشاهد العربي وكل أفراد عائلته يتمنّون البديل الرصين لأكثر من حوالي أربعين قناة عربية أُطلقت حصريا لمثل هذا النوع من المسابقات، والتي وصفها أحد الإعلاميين بقوله: "طفيليات ضارة تعيش على حساب خبز الناس. وتعتمد على هذا النوع من برامج المسابقات الساقطة التافهة أسلوبا وشكلا وتقديما".
ويُظن أيضاً أن المسابقات عبر شاشات القنوات التلفزيونية والفضائية ما هي إلا نوع جديد من "اليانصيب"، تمثل نوعاً من التلاعب بعواطف المشاهدين لتحقيق المكسب السريع للقائمين على هذه القنوات، وأن التأثير المتعلق بهذه النوعية من البرامج يلحق بالفرد المتفاعل معها الذي اتخذ قرار المشاركة في هذه المسابقات، وأنفق جزءًا من حصيلته، سواء كانت كبيرة أو صغيرة في إجراء المكالمات التلفونية سعيا لاقتناص ضربة الحظ التي غالبا ما تنتهي بخيبة أمل دون اليأس من تكرار التجربة التي تتزايد بتزايد الدافع والرغبة في الفوز، تحركها الإغراءات الضاغطة التي لا تترك له فرصة للتفكير بشكل عقلاني، وتلحق به ضرراً كبيراً. يجب أن تستحدث قوانين جدية تحمي المشاهد لتكون بمثابة حكم فاصل بين المستهلك، والجهة القائمة على تلك القنوات، خاصة أنه لا يمكن إنكار وجود حجم للأضرار بمستويات مختلفة.
وخلاصة القول، أظن أننا ندخل في عصر العولمة دون أن نفحص بالدراسات والتقييم العلمي ما يجب أن نواجه به التغيرات والتحولات، ولهذا نقوم بالارتجال ثم تكون النتائج الواقع الذي يعيشه إعلامنا العربي.. وأذكر بالمناسبة استقالة المدير التنفيذي لـ CNN هذه الأيام بعد أن عمل أكثر من30 عاماً مديرا لها، لأن المشاهدة للمحطة انخفضت 8% وتحمل المسؤولية ورحل بعد أن قال: "تحتاج القناة لرؤية جديدة من رئيس جديد".. فكروا في هذا الكلام وحللوه، وستجدون أسباب النجاح.