في هذا الشهر الفضيل نلاحظ جميعا أن هناك تغيرات واضحة في سلوكيات الكثير من المسلمين، وهذه التغيرات إيجابية لدى البعض ولكنها قد تكون غير إيجابية لدى الآخرين، فقبل بداية شهر رمضان نلاحظ أن سلوكيات بعض التجار ورجال الأعمال الذين لهم نشاط تجاري في مجال المواد الغذائية تختلف عنها في الأيام التي تسبق هذا الشهر؛ حيث يعمد الكثير منهم إلى رفع أسعار العديد من السلع الاستهلاكية في رمضان، ويقوم بعمل تخفيضات في بعض المواد التي لا تعد من المواد الاستهلاكية في هذا الشهر الكريم، كما يعمل البعض على تسويق كميات محدودة من السلع التي عليها إقبال في رمضان ليقل العرض، ويزيد الطلب، ويكون ذلك مبررا قويا لقبول رفع الأسعار من قبل المستهلك دون تذمر، فنجد أن بعض تجار الدقيق يوظفون هذه الاستراتيجية التي يتم من خلالها رفع الأسعار مع العلم أن الدقيق متوافر، وينطبق ذلك على بعض أنواع المياه المعبأة في علب بلاستيكية من الحجم الصغير حيث يتم الإقبال عليها في رمضان للاستخدام المنزلي أو في المساجد، أو في مراكز ومخيمات الإفطار الخيري، حيث يتم تقليل المعروض منها في الأسواق قبل قدوم شهر رمضان؛ وعندما سمع كثير من الناس بذلك أقبلوا على شراء هذه السلع بالرغم من رفع أسعار بعضها بحوالي الربع من القيمة الحقيقية، وقام بعض أصحاب المحلات ببيع هذه السلع بالأسعار الجديدة، وبأعداد محدودة لكل شخص، وهنا أرى أن الجهات المسؤولة عن مراقبة الأسعار مطالبة بأن تقوم بجولات في شهر رمضان بشكل مكثف عنها في الأيام العادية، وتعمل على الحد من جشع، وطمع بعض التجار، وتعمل على معاقبة المخالف، والتشهير به، كما أن المستهلك عليه التعاون مع هذه الجهات، وعدم الانصياع للأسعار الجديدة التي تم رفعها في هذه الأيام، والإبلاغ عن مثل هذه المخالفات، ولا يركز على هذه السلع بل يبحث عن بدائل أخرى، وهي متوافرة ولله الحمد، والأمثلة على رفع الأسعار في هذا الشهر عديدة، ومن المفروض أن يكون هناك عروض عديدة، وتخفيضات كبيرة على كثير من السلع الاستهلاكية، والمواد الغذائية التي يتم استهلاكها في رمضان بدلا من رفع أسعارها، واستغلال قدوم هذا الشهر الكريم لتحقيق الأرباح العالية بغير وجه حق.

وفي رمضان، نلاحظ سلوكيات غير التي اعتدنا عليها في الأوقات العادية من بعض الأفراد؛ فنجد أن بعض الناس يلازم الصلاة في المسجد بشكل منتظم، ويقرأ القرآن، ويتصدق، ويجتهد في أعمال الخير، وهذه سلوكيات ممتازة، ولكننا لا نراها إلا في رمضان؛ فأين هي في الأيام أو الأشهر الأخرى، أم أن هذه الأعمال مقصورة، أو محصورة على شهر رمضان؛ حيث إن أعمال الخير، أو أغلبها لا نراها في غير رمضان من هذه الفئة من الناس، ومن يعمل الأعمال الخيرية في غير رمضان، ويكثفها في هذا الشهر المبارك رغبة منه في مزيد من الأجر والثواب فهذا شيء طبيعي، أما من لا يسلك هذا النهج إلا في رمضان فقط، فأقول له إن عمل الخير لا يقتصر على رمضان بل عمل الخير في كل زمان، ومكان، وتكثيف الاجتهاد والتقرب إلى الله في شهر رمضان مقارنة بغيره من الشهور قد يكون مقبولا في هذه الحالة، أما أن الإنسان الذي لا يصلي أو لا يؤدي الفرائض إلا في رمضان فقط فقد ينطبق عليه قول السلف "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان" كما ورد في رد فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله في هذا المجال، وهذه الفئة بحاجة لمراجعة دقيقة لنفسها، ومحاسبتها، والرجوع إلى ربها، لأن رب رجب، وشعبان هو رب رمضان.

وفي رمضان أصبح نهار الكثير من الناس ليلا، وليلهم نهارا، فنجد بعض الأسر تسهر طوال الليل ولا تنام إلا بعد صلاة الفجر، وينام أفراد هذه الأسر طوال النهار، وقد تفوتهم بعض الصلوات، ويقوم الشباب في ليالي رمضان بالذهاب إلى الأسواق والتجول في الشوارع بدون هدف بل لقضاء الوقت، وهنا أرى أن السهر غير الضروري في رمضان، وفي غيره من الليالي قد يؤثر على الصحة، وفيه ضياع للوقت بدون فائدة، ولا بد من استغلال هذه الأوقات في العبادة وفي قراءة المفيد من الكتب، والمراجع.

أما السلوكيات الإيجابية التي نراها تزيد في رمضان من رغبة بعض الأفراد في زيادة الأجر والثواب فهي عديدة؛ فنجد أن كثيرا من التجار يخصص شهر رمضان لإخراج زكاة أمواله، كما أن بعض الأفراد يكثفون الصدقات في هذا الشهر، وغير ذلك من الأعمال الخيرية، وهذا توجه طيب، ونسأل الله لنا ولهم القبول، وهنا أهمس في أذن كل تاجر بأن المحتاجين للصدقات أو الزكاة لا يظهرون في شهر رمضان فقط، بل هم متواجدون بيننا في المجتمع في الأشهر الباقية من العام، وقد يكونون بحاجة للعون والمساعدة في غير رمضان بشكل أكبر؛ لأن الكثير من التجار خصصوا رمضان لإخراج زكوات أموالهم، ويكثف كثير من المحسنين صدقاتهم في رمضان، وقد يكون توزيع هذه الأعمال الخيرية على مدار العام مناسبا بما فيها شهر رمضان، تقبل الله منا ومن الجميع الصيام والقيام، وسائر الأعمال الصالحة.