أكتب هذا الأسبوع من منتجع (يلوستون) الوطني في الولايات المتحدة، وهو أقدم منتجع أسسته الحكومة الأميركية في عام 1872. وأرى أن نجاح هذا المنتجع والتحديات والانتكاسات التي واجهها في بدايات تأسيسه تقدم دروساً مفيدة لبلادنا عن أسرار نجاح جهود المحافظة على البيئة هنا وفشلها في أماكن أخرى من العالم.

وبالإضافة إلى كونه أقدم المنتجعات الوطنية، فإن يلوستون ما زال من أكثرها جاذبية للسياح، إذ يزوره أكثر من ثلاثة ملايين سائح سنوياً. ويغطي المنتجع مساحة تقارب تسعة آلاف كيلومتر مربع، أي ما يعادل حجم بلد صغير. ويقع بشكل رئيس في ولاية (وايومنج)، ولكنه يمتد إلى ولايتي آيداهو ومونتانا أيضاَ. وهذا المنتجع على ضخامته جزء يسير من منظومة بيئية أكبر تضم عدداً من الغابات والمنتجعات الصغيرة، بمساحة تبلغ (72,000) كيلو متر مربع، أي ما يفوق مساحة معظم دول العالم.

وليس من السهل إدارة هذا المنتجع، فضلاً عن هذه المنظومة البيئية الكبرى. ويعمل في إدارته نحو (3500) موظف وموظفة، يساعدهم مئات من المتطوعين. هذا في القطاع الحكومي، أما في القطاع الخاص فهناك آلاف من العاملين في الشركات والمؤسسات الخاصة، بما في ذلك الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية. وفوق هذا، هناك عشرات المنظمات والمجموعات غير الحكومية ومتطوعوها الذين يعملون في إطار غير رسمي وغير تجاري للمساعدة في إدارة المنتجع، ويشكلون مجموعة ضغط قوية لمراقبة عمل المؤسسات الحكومية والمحافظة على هذه الثروة الوطنية.

ويتميز (يلوستون) بظواهر طبيعية فريدة، إذ ينفرد باحتوائه على أكبر عدد من البراكين المائية والطينية في العالم، تفور وتهدأ من تلقاء نفسها، مرات عديدة كل يوم. وهذا المنتجع هو منزل لأكبر عدد من الدببة والذئاب والبايسون (الجاموس البري) وأنواع فريدة من الغزلان، وهي تعيش في بيئة طبيعية تماماً. ولكن الأمور لم تكن كذلك دائماً في يلوستون، بل إن إنشاءه في عام 1872 كان ردة فعل للعبث والتهديدات الخطيرة التي كانت تواجه ذلك المنتجع والمنظومة البيئية المحيطة به. ومن التحديات وقتها أن تلك المناطق لم تكن قد أصبحت ولايات قائمة بذاتها، ولم يكن لديها القدرة على تطبيق القانون وتوفير الحماية الكافية للمنتجع. فبعد هزيمة السكان الأصليين (الهنود الحُمر) وحصرهم في محميات معزولة، جاء المستوطنون الجدد والمؤسسات والشركات الجديدة، غير المرخص لها أحياناً، وعاثوا في هذه المنطقة دون رقيب، ولم يكن لديهم أي اعتبار للمحافظة على البيئة والثروات الحيوانية والمعالم الفريدة التي يتميز بها المنتجع.

ونتيجة للك، حُطّمت الغابات وقُضي على بعض الفصائل النادرة من الحيوان والنبات، وتم ذلك كله باسم التقدم الاقتصادي والتعمير واستيطان هذه المستعمرات الجديدة. وكان لهذا العبث غير المسؤول في منتجع يلوستون تأثير كبير في بقية أنحاء الولايات المتحدة، أثار القلق من تدمير هذه الموارد الطبيعية النادرة، ودفع الأميركيين إلى التساؤل عن التكلفة الباهظة لهذا الاستيطان والتعمير.

ومع أن الكونجرس أقر قانونا في عام 1872م يؤسس يلوستون كأول منتجع وطني، إلا أن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة، ولذلك قررت الحكومة الاتحادية إرسال وحدات من الجيش لتوفير الحماية للمنتجع، ووصلت أولى كتائب الجيش في عام 1886، ولكنها لم تستطع التغلب على المخالفين، كما لم تستطع مقاومة الشتاء القارس في المنتجع الذي يرتفع أكثر من (8400) قدم، ولذلك استمر نشاط المخربين للبيئة واستفحل تحديهم للقانون.

ويعتقد البعض أن بجاحة أحد المخالفين هي ما دفع الحكومة الاتحادية في نهاية المطاف إلى وضع عقوبات رادعة. ففي عام 1894م رأى صحفي رجلاً وقد اصطاد جاموساً برياً، خلافاً للتعليمات، وقام بسلخه في وضح النهار، مستخفاً بالعقوبات التي لم تتعدّ وقتها إخراجه من المنتجع، ومصادرة "أدواته". وكان للتغطية الصحفية لهذا الحدث وقع كبير دفع الرئيس الأميركي كليفلاند إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً وحكمة لحماية يلوستون. ودفعت هذه التهديدات التي واجهت يلوستون إلى بدء حركات متعددة لحماية البيئة في بقية مناطق الولايات المتحدة، وكان أكثرها نجاحاً ما قام على التحالفات بين دعاة المحافظة على البيئة والمتنورين من رجال الأعمال، ومن أشهرهم حينئذ (جون روكفلر)، سليل العائلة المعروفة مالكة شركة (ستاندارد أويل) العملاقة، إذ تبنى حماية البيئة شخصياً واشترى عدداً كبيراً من المناطق التي كانت مهددة ومنحها للحكومة لتحويلها إلى منتجعات أو غابات وطنية. وبالإضافة إلى روكفلر، كان ثمة تحرّك آخر، أكثر شمولية، يعتقد الكثيرون أنه شكل بداية الحركة الأميركية للمحافظة على البيئة.. فقد تحالف (جون موير)، أحد أوائل دعاة المحافظة على البيئة، مع رجل الأعمال (جيفورد بينتشوت) في عام 1896م للعمل معاَ لحماية ما تبقى من غابات أميركا.

وقام النموذج الذي دعا إليه بينتشوت على المزاوجة بين المحافظة على البيئة والتنمية الاقتصادية، وحظي هذا النموذج بدعم الحكومة الأميركية وقتها، مما دفع الرئيس كليفلاند إلى تعيينه كأول رئيس لحماية الغابات الوطنية. أما موير فقد ترك هذا النموذج وأسس منظمة (سيررا كلب) لحماية البيئة، وهي ما زالت قائمة حتى الآن. وفي وقت لاحق أنشئت منظمات أخرى تبنت أساليب أكثر تشدداً لحماية البيئة. وتشكل هذه المنظمات مجموعات ضغط على صانعي القرار في الكونجرس وفي الإدارة الحكومية، ويحسب لهم رجال السياسة كل حساب. واستطاعت هذه المنظمات، من خلال العمل مع الهيئات الحكومية والقطاع الخاص أن توفر الحماية البيئية، ليس في يلوستون وحده، بل في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وهي تتبع أسلوب الحماية البيئية الذي يشجع أيضاً على التنمية الاقتصادية.

فالخطوة الأولى في حماية البيئة هي اتخاذ قرارات حازمة على المستوى السياسي، ولكن هذا ليس كافياً للنجاح، بل يجب أن يصاحبه تكوين تحالفات مع القطاع الخاص لإقناعه بأن حماية البيئة يمكن أن تحقق في الوقت ذاته مصالحه الاقتصادية.

وفي رأيي، يمثل نموذج إنقاذ منتجع يلوستون وحمايته إلى الآن درسا عمليا في المحافظة العقلانية على البيئة في ظروف اقتصادية وطبيعية صعبة. ويوضح هذا النموذج لماذا تفشل بعض جهود حماية البيئة في أماكن أخرى من العالم، حينما لا يكون للقطاع الخاص وبقية فئات المجتمع دور في حماية البيئة.

وكما رأينا في يلوستون اليوم، فإن الحفاظ على المنتجع قد أدى إلى نتائج إيجابية للمنطقة على المستوى الاقتصادي تفوق ما كان يمكن أن يتحقق لو سمح للشركات الخاصة باستنزاف ثرواته الطبيعية. فهذا المنتجع يزوره كل عام نحو ثلاثة ملايين سائح، يضخون في الاقتصاد المحلي مليارات الدولارات ويوفرون آلاف الوظائف للشباب. وفي المقابل، لو استمر أولئك المغامرون الأوائل في استخراج المعادن والصيد والقنص غير المقنن، لاستنزفت ثروات المنتجع منذ وقت طويل، ولكانت الاستفادة وقتية لعدد محدود من الأشخاص.