يا للهول، مع كل هذا الكم الهائل من الممثلين السعوديين، لا يكاد يوجد لدينا ممثل سعودي جاد، كلهم كوميديون، ربما الوحيد الجاد اضطرارا هو سعد خضر، ولو استطاع أن يكون كوميديا لما تردد غالبا، أما البقية فهم يتسابقون على أن يحظوا بتوصيف أنهم كوميديون، مع أن كثيرا منهم أبعد ما يكونون عن ذلك.
يتصور كثير من الممثلين السعوديين أن الفنان الكوميدي هو الذي (يضحّك) ويستطيع أن يحرك وجهه وملامحه ويقلد بعض الأصوات، أو أن يقف أمام أحد ما فيضرب على ظهره فيندفع للسقوط بشكل مترنح، أو أن يكون قادرا على القفز من كنبة إلى أخرى. أضف إلى ذلك نموذجا آخر للكوميدي السعودي وهو الذي يستطيع أن "ينكّت" و"يذب" ويقوم بالتعليق على أشكال المحيطين به وأوصافهم وأصواتهم. مع كل هذا الواقع المرير لأقسام الكوميديين السعوديين، تأتي المصيبة الأكبر وهي أنهم تحولوا في أغلبهم إلى مصلحين اجتماعيين، أي معنيين بتناول قضايا اجتماعية، بل ومعنيون بنقدها وتقديم الحلول لها، وهو ما يجعلنا كمشاهدين في حالة من الاستهداف على مستوى الذوق والله المستعان، فإذا كنا بالكاد نستوعب ونحتمل "هبال" بعضهم، فكيف بنا ونحن نراهم يقدمون أنفسهم مصلحين اجتماعيين.
هنا يصبح النقد سطحيا في الغالب ويصبح استخدام الكوميديا من أجل ذلك النقد عبارة عن عملية تركيب متضادة العناصر، أو هي معادلة كيمائية ضارة في النهاية تنفجر في وجوهنا نحن المشاهدين. في الواقع بات واضحا جدا أن أغلب الممثلين الكوميديين في السعودية إنما يقتاتون على الشارع فيما يقدمونه على مستويين، أولا: بات أغلب ما يقومون به مجرد إعادة تصدير للكثير من النكات التي شاعت وانتشرت اجتماعيا، وكلنا ندرك أن تمثيل النكتة يحولها إلى مشهد ثقيل دم إن لم يكن مستفزا، مثلا: يدخل أحدهم إلى محل لبيع الساعات فيسأل بكم الساعة فيجيبه البائع ليعاود الزبون السؤال: بكم تعطيني ربع ساعة. وقسس على مثل هذه السماجة كثيرا من المشاهد. النكتة وضعت لتقال لا لتمثل، والنكتة لعبة لغوية بالدرجة الأولى وليست مشاهد، لكن غياب النص في كثير من الأعمال الكوميدية يؤدي إلى سرقة النكتة من شفاه الناس وإعادة بيعها عليهم. على المستوى الثاني: يتحول الكوميدي السعودي إلى مصلح اجتماعي، لكنه لا يلبث أن يتورط في خطاب وعظي ومباشر حين يريد أن يعالج قضية من القضايا فليجأ للشارع لا من باب معالجة ما لديه بل من خلال استنساخ أحاديثه وتعليقاته على مختلف القضايا، ويتحجج البعض بأن الكوميدي يعيد صياغتها في قالب كوميدي، بينما الحقيقة أنه يعيد تصديرها عن طريق الشرح والإلحاح على الفكرة، وترسيخ المعنى الساخر لدى الناس ليتحول إلى فعل ساخر، فمثلا يتم تقديم الحاجة المحلة للسائقين والخدم في بيوت السعوديين عن طريق تكثيف فكرة الاحتياج التي تصل إلى ترجي السائق ومحاولة تدليله ليتراجع عن قرار السفر، وهذا ليس من الكوميديا في شيء بقدر ما هو نوع من شرح الفكرة الساخرة التي يتندر بها الشارع أحيانا.
لا نبالغ إذا قلنا إن نجوم "طاش ما طاش" استنفذوا فكرة المعالجة الاجتماعية عن طريق الكوميديا، إلا أن كثيرا من الأعمال الكوميدية ما زالت متورطة في هذا المنحى، في خلط مزعج بين الكوميديا وبين الإصلاح الاجتماعي، وهو ما ورط تلك الأعمال في فكرة البحث عن الجريء ليقعوا في خطأ المباشرة والتلقين. ويتحولوا في النهاية إلى مجموعة من الحكماء والعقلاء وأصحاب الرأي الذين يجدون حلولا لمشاكل تصريف المياه وحافز وزواج السعوديات من أجانب وغيرها من القضايا.