لعل العالم العربي يعيش نهضة على مستوى الفكر والحريات العامة خاصةً فيما يعرف حالياً بجيل الشباب المنتمي لعالم التقنية والاتصالات, ولكني لا أعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فعال يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث؟ أم ما زال الوقت مبكراً!

لو تأملنا مؤلفات وسير وآثار العلماء وفلاسفة العرب قديماً نجد أنهم لم يهابوا التفكير ولم يلتفوا على ما هو موجود في زمانهم من نظريات وأفكار فحسب, بل أخذوا من علوم الأمم السابقة ونهلوا منها بل تفوقوا عليها, كما أن قناعاتهم أو موروثاتهم لم تجعلهم يحاربون أو يصدون عن أفكار لا تناسب السائد أو العرف, بل على العكس ناقشوا الكثير من المسائل وتطرقوا لجوانب لم تكن مقبولة آنذاك, أما اليوم فتغير الوضع وتحولنا من مساهمين لنتاج الحضارة إلى مستهلكين لها, ولا تتساءلوا عن السبب فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس, فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا.

إن غياب التفكير العلمي في المجتمع العربي أدى إلى غياب الحوار الحضاري الإيجابي البناء, للأسف أجد أن أغلب الحوارات الدائرة حالياً سلبية تصادمية تظاهرية شكلية لا جدوى منها ولا دلالة موضوعية ولا فائدة من الإجابة عن أسئلتها والخوض فيها لأنها أسخف من أن يبذل بها جهد فكري علمي بناء, لقد فشلنا في فهم منطق العصر ولم نستخدم أدواته.

العقلية العربية لا تريد أن تتوسع إلى مساحة الحقيقة إنما تريد أن تختزل الحقيقة في مساحتها الضيقة, وتغير من شكلها كي تصبح مستوعبة لديها ضمن صيغتها النمطية التقليدية الثابتة غير المتحركة أو النامية أو المتطورة, ذلك لأن العقلية العربية تقدس النمطية والتقليد والجمود, وغالباً ما يتم تغليف ذلك بغلاف ديني بالرغم من أن آيات القرآن المجيد جُلها يستدعي التدبر والتأمل والتفكير, ولكننا توقفنا عند نقطة ثابتة, لا نسهم في هذه الحضارة ونرفضها في نفس الوقت الذي لا نقدم فيه بديلاً حقيقياً, بل مجرد شعارات وتغن بالماضي.

إن العلم والتقدم مسألة تراكمية, لذا كان من الواجب تفحص المخزون المتوفر الذي توصلت إليه البشرية ومن ثم دراسته وتطويره والإضافة عليه أو حتى مخالفته ونفيه (لكن ليس من منطلقات شخصية أو عرفية) فالحقيقة المستوحاة من تطور دول العالم وتقدمها نابعة من قدرتها على التعاطي مع الواقع العلمي والعملي والنظر برؤية استشرافية قادرة على صنع المستقبل, وعقول مدربة على طرح الأسئلة والبحث عن إجابات عنها, عقول يمكنها ممارسة النقد وكشف أساليب القهر الذهني والتفكير بتجرد, بعيداً عن المسلمات والأفكار الجاهزة المعبأة المحشوة, نعم إن العقل العربي لم يتراجع إلا عندما بنى حوله ألف سياج يمنعه من التفكير.

وهنا أتذكر قصة واقعية طريفة حدثت في بداية الحرب العالمية الأولى حينما عين الجنرال بولانجيه قائدًا للجيوش الفرنسية، وحين ذهب ليتفقد وزارة الدفاع لاحظ وجود جسر يربط بين مبنيين في الوزارة, يقف أمامه حارس مدجج بالسلاح، وقد منعه الحارس من الدخول – رغم علمه بمنصبه الكبير – بحجة أنَّ لديه أوامر مشددة بهذا الخصوص, وحين سأل من حوله عن سبب المنع لم يعرف أحد الجواب, الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع أنه منذ عملهم في هذا المبنى هناك أوامر صارمة بعدم دخول الجسر, بعد البحث في الأرشيف اتضح أنه في عام 1839, وفي عهد الجنرال سوليت طُليت أرضية الجسر بدهان جديد, وأصدر الجنرال سوليت أمراً بعدم مرور أحد حتى يُصدر قرارا بعكس ذلك. ولكن سوليت توفي فجأة بسكتة قلبية في حين نفذت أوامره طوال تلك الفترة (وبدون السؤال عن السبب) فتآكل الطلاء من فرط القدم.

هذه القصة تبين مدى فداحة التسليم المطلق للماضي دون أدنى تفكير في صحته أو خطئه, لذا كان لا بد لنا من امتلاك شجاعة النظر إلى الحاضر وانتقاد الذات وتشخيص أدواتها وجلدها إن اقتضى الأمر, تلك الذات التي خسرناها منذ قرون طويلة ولم نظفر بعد بامتلاكها مرة أخرى, وقد شهدنا اليوم فرحة ناسا بالوصول إلى المريخ عبر مسبار (كيوريوسيتي)، فالغرب وصل إلى المريخ ونحن بقينا أمة لا تملك إلا بعض القدرة على الطفو فوق سطح الأحداث وربما (هشتقتها) في "تويتر".