نشاهد بين الحين والآخر أن بعض الأمانات والبلديات تطرح مشروعات للاستثمار مثل اللوحات الإعلانية في الشوارع، أو بعض المواقع التي يمكن استئجارها لأجهزة الصرف الآلي، أو كمواقع لبوفيهات، وغير ذلك من المواقع، ومع أهمية هذا النوع من الاستثمار؛ إلا أنه لا يتعدى كونه استثمارا خجولا، وغير مفعّل بالشكل الصحيح، ولم تتم الاستفادة من هذه المواقع بالشكل المناسب، وحقيقة الأمر أن الاستثمار لا يقتصر على الأمانات أو البلديات؛ فهناك العديد من المشروعات الاستثمارية الغائبة أو المغيبة التي تتبع جهات حكومية أخرى ولم يتم استثمارها بفعالية، أو حتى التفكير الجاد في ذلك، وهذه المشروعات بحاجة إلى تخطيط سليم، ومن النوع طويل المدى، وتكون عمليات الاستثمار وفق آليات محددة وواضحة، ولا يكون المردود المالي هو الاستثمار الذي نفكر فيه بالدرجة الأولى والأخيرة، فمن خلال الاستثمار في كثير من هذه المشروعات قد نجمع بين الاستثمار المالي، والاستثمار في الموارد البشرية الذي هو الاستثمار الحقيقي.
وأفضل مثال على تلك المشروعات الاستثمارية الحاضرة الغائبة هو الاستفادة من بعض المباني، أو المشروعات الحكومية مثل خزانات المياه العالية التي قد لا تخلو مدينة من مدننا، أو حتى محافظة من محافظاتنا منها، وهذه الخزانات تحتوي على مواقع يمكن استغلالها سياحيا، وترويحيا بضوابط معينة، ويمكن أن يستفيد منها القطاع الخاص من خلال استئجارها بعقد استثماري يوقع بين الجهة التي تعود لها هذه المنشأة والمستثمر وفق الآليات، والأنظمة المتبعة في مثل هذه الحالات، وعندما نفكر في مشروع استثماري مثل هذا فلا بد أن يكون تفكيرنا الاستثماري بمفهومه الشمولي؛ حيث يتم طرح المشروع ومعه مواصفات التشغيل التي يجب أن تشمل مطعما راقيا، وتكون أسعاره معقولة ومقبولة، ومقهى يقدم القهوة، والشاي، والعصائر، والآيسكريم في أعلى هذا الخزان، ويشمل بعض أجهزة التكبير المطلة على أرجاء المدينة والمثبتة في زوايا مختلفة من الموقع، وهذه الأجهزة تعمل برسوم يسيرة، ولا يقف الاستثمار عند ذلك بل تكون هناك مواقف للسيارات وتكون برسوم رمزية حسب الزمن الذي يقضيه الفرد في هذه المواقف، كما أنه يتوقع أن يكون هناك أكثر من محل في المواقع المحيطة بالخزان لبيع الإكسسوارات والهدايا التي تعكس البيئة المحلية، وإيجار هذه المحلات يمثل دخلا آخر لهذه الجهة، أو للمستثمر في حالة كون العقد شاملا، ولا بد من وجود مصعد، وهذا المصعد يتم تشغيله، ومراقبته من قبل موظفين اثنين على الأقل الأول يعمل في الفترة الصباحية، والآخر في الفترة المسائية، وعندما يكون من شروط العقد أن جميع من يعمل في مثل هذه المشروعات الاستثمارية من السعوديين، ولا يسمح للعمالة الوافدة بالدخول فيها، فلنا أن نتخيل كم من شاب سيتم توظيفه في المطعم والمقهى، وفي المحلات الأرضية، وفي الخدمات الأخرى، ألا يعد ذلك استثمارا حقيقيا، ولكنه غائب في الواقع؟
المثال الآخر في هذا المجال سمعت عنه في زمن سابق أن وزارة التربية والتعليم تنوي فتح باب استثمار جديد بالإضافة إلى الاستثمار الحقيقي الذي يتوقع أن تقوم به وهو تربية وتعليم أبنائنا، وبناتنا، وهذا الاستثمار يتمثل في إتاحة الفرصة لبعض المستثمرين في مجال الدعاية والإعلان للاستفادة من سطوح المدارس التي تقع في مواقع بارزة على بعض الشوارع العامة في المدن، والمحافظات، ويتم الاستفادة من دخل هذا الاستثمار في عمليات الترميم، والصيانة لمدارس المحافظات، أو الإدارات التي تتبعها هذه المدارس، ويكون هذا الاستثمار وفق آليات محددة، وواضحة، وشفافة، وقد يكون هذا التوجه مطبقا في إطار ضيق، ومحدود، وهو بحاجة لأن يكون على مستوى أكبر، ولا يقتصر الأمر على وزارة التربية والتعليم، فجميع القطاعات الحكومية الأخرى التي لديها مبان في مواقع مناسبة يتم استثمارها في هذا المجال، ولن يترتب على ذلك أي التزامات مالية، أو مشكلات تتعارض مع مصالح هذه القطاعات، وتتم الاستفادة من الدخل في أعمال الصيانة، والتحسين، والتطوير، وهنا لا بد من التأكيد على أن يكون الاستثمار في مجال الدعاية والإعلان، واللوحات الدعائية صديقة البيئة فقط، ولا يكون الاستثمار من خلال استئجار بعض شركات الاتصالات لهذه المباني بهدف بناء الهوائيات على السطوح، التي قد تكون لها إشعاعات مضرة بمستخدمي هذه المباني، ومرتاديها، والعاملين فيها.
وهنا أرى أن الاستثمار الذي تمت مناقشة أمثلة له قد ينعكس إيجابيا على هذه الجهات، بحيث يكون هناك دخل مقنن تتم الاستفادة منه في عمليات التشغيل، والصيانة، وقد يصل الحد إلى التشغيل الذاتي، وتكون هناك مجالات إضافية للترويح، والسياحة، وإيجاد فرص عمل عديدة لأبنائنا من خلال استثمار مثل هذه المقدرات بشكل مناسب.