تظل وشيجة "الإسلام" مكونا أساسيا للأمة، مهما تنوعت قومياتها وعرقياتها، ومهما تعددت حدودها السياسية ودولها، لأن هذا المكون مغروس في الوجدان العام للمسلمين، ولأنه يشكل لحظة ولادة الأمة التي بناها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسوى بين الناس عربيهم وعجميهم، أبيضهم وأسودهم، هم سواسية كأسنان المشط الواحد لا فرق بينهم إلا بالتقوى.

وإذا كانت الوحدة والتعاون والتضامن ضرورية في حال الأمن، فهي أولى وأحوج في حال الفتن والمشكلات، وما تمر به الأمة في هذا الوقت حري بأن يعاد وهج التعاون والتضامن الإسلامي، الأمر الذي أدركه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فدعا لهذه القمة الإسلامية في أشرف بقعة في الأرض، وهي التي تحمل الدلالة التاريخية والعقدية والروحية للأمة الإسلامية، بل هي موئل القلوب وحنين النفوس التي تجتذب إليها كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

إن الأحداث التي تتتابع على الأمة في سورية وبورما وما حصل في العراق وأفغانستان، وتضاعيف الربيع العربي على بعض الدول الإسلامية، والمخططات التي تحاك هنا وهناك والتي لم يظهر منها إلا رأس الجليد، كل ذلك يوجب أن يتولى المسلمون زمام المبادرة لحل مشكلاتهم بعيداً عن استجداء المنظمات الأممية، أو انتظارها، فجميع الدول الفاعلة في المشهد العالمي اليوم تقدم مصالحها السياسية والاقتصادية على كل مصلحة أخرى، وإنما ترفع شعارات حقوق الإنسان حين يكون الأمر في خدمة مصالحها، ولكنها تغض الطرف حين تقل المصالح أو تنعدم، وهذا هو الذي يفسر ازدواجية المواقف والمعايير في المشهدين الليبي والسوري مثلاً، وعليه فلا حاجة لانتظار منظمات لا تنظر إلا بعين المصالح بعيداً عن القيم الأخلاقية والإنسانية وهي ترى الدماء تراق في سورية في الصباح والمساء ثم تتكاسل وتماطل في إيجاد الحلول الناجعة لتخفيف المشكلة أو القضاء على من يسببها.

إن الدول الإسلامية اليوم لم تعد كما كانت في الأمس، إنها تمتلك مقومات تستطيع من خلالها أن تسهم في المشهد العالمي بشكل فاعل، إنها تمتلك المخزون العالمي من الثروات، والعديد البشري، والقدرة على الضغوط السياسية، وحل مشكلاتها بعيداً عن الغرباء، وهذا هو الأمر الذي يترقبه كل مسلم على وجه الأرض ليكون نتيجة لهذه القمة المرتقبة، والتي سوف تكون المملكة رائدة فيها.

ليست هي الأولى التي تسعى المملكة العربية السعودية لتعميق مفهوم التعاون والتضامن الإسلامي، فمنذ النشأة الأولى وهي تحاول لم شتات العرب والمسلمين ليكونوا مستقلين في إراداتهم عن أي هيمنة غربية أو شرقية، والأحداث الأخيرة فرصة لإحياء الهم القديم الجديد.

وقلوب المسلمين كلها تترقب ما سيتمخض عنه هذا المؤتمر الإسلامي الكبير، آملين أن تكون مقرراته فاعلة وعلى مستوى الطموح والثقة، وأن يكون القادة على قدر المسؤولية في مواجهة المستجدات الكبيرة والتي تشكل لكثير من الدول الإسلامية مرحلة مفصلية من تاريخها المعاصر، فالقضية أبعد من حركة تحرر شعوب، إنها قضية تشكيل مشهدا جديدا يخدم القوى الاستعمارية، ووقودها أمن الناس ودولهم وخرائطهم الجغرافية، فإن لم يسع المسؤولون لتحمل المسؤولية فإن الأمة كلها ستكون مسرحاً كبيراً وكلأ مباحاً لهذه المطامع الضخمة والتي تشكل مخططاً رهيباً لن يستثني أحداً.