أكتب هذا الأسبوع من وسط الولايات المتحدة، قُرب نهر الميسيسبي، بين ولايتي ويسكنسن ومينسوتا، حيث كنتُ مع الأسرة في مركب تقليدي على هذا النهر، متجهين شمالاً، ومأخوذين بهذا النهر، الذي سماه الهنود الحمر بـ "النهر العظيم"، وهو معنى كلمة ميسيسبي في لغاتهم، فهو وسيلة تنقلهم ومصدر غذائهم وري مزارعهم. ويحيط بالنهر في هذه المناطق الشمالية التلال العالية الخضراء من كل جهة، ويرفده أنهر صغيرة يشكل كل منها دلتا لدى اقترانه بالنهر الكبير، وتوفر الدلتا مكاناً خصباً لنمو النباتات بأصنافها، وملجاً آمناً للحيوانات البرية والطيور النادرة.

ويعتز الأميركيون بروح التسامح التي تسود بلادهم اليوم، بين الأديان والأعراق والثقاقات، ولكن هذا السلام لم يأت إلا بعد قرون من الحروب والصراع الدموي بين المستوطنين الأوروبيين والسكان الأصلييين من جهة، وبين الدول الأوروبية التي استعمرت أميركا الشمالية، فكانت حرب بريطانيا ضد فرنسا وإسبانيا، ثم الحرب الأميركية ضد الحكم البريطاني.

وكدليل على هذا التسامح تعيش في مدينة (هارموني) بجنوب ولاية مينيسوتا مجموعة من "الآميش"، وهم مجموعة ثقافية ودينية متميزة، قدموا إلى الولايات المتحدة من سويسرا في القرن التاسع عشر هرباً من الاضطهاد، وتوزعوا على مناطق مختلفة من أميركا، وهم متميزون في ملابسهم ومظهرهم، ولا يستخدمون وسائل الحياة المادية المعاصرة، مثل السيارات أو الكهرباء أو الهاتف، ويعيشون في مزارعهم عيشاً بسيطاً، فلا يستخدمون سوى المحاريث اليدوية أو تلك التي تجرها الدواب. ولا يُعلّمون أبناءهم أكثر من المرحلة المتوسطة. ومع اختلافهم الواضح عن جيرانهم، إلا أنهم يحظون بالقبول والترحيب منهم، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية الناجحة بينهم.

ويتطلع كثير من الأميركيين اليوم إلى تعزيز علاقاتهم مع بقية أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال، في مدينة "لاكروس" في ولاية ويسكنسن، المطلة على نهر الميسيسبي، عبّر لنا أهلها عن رغبتهم في تكوين علاقات أقوى مع بلادنا، على غرار "التوأمة" التي تمت بين هذه المدينة ومدن أخرى في آسيا وأوروبا، وتساءلت مسؤولة في مدينة "لاكروس"، وهي تستعرض باعتزاز أبعاد علاقة مدينتها بتلك المدن، لماذا لا تكون هناك توأمة مع مدينة سعودية مثلاً؟

وفي الوقت الذي كنتُ أمرّ فيه بهذه المناطق النائية نسبياً عن المعترك السياسي في واشنطن، كان الرئيس باراك أوباما يقيم في البيت الأبيض يوم الجمعة 10 أغسطس حفل إفطار لممثلي المجتمع الأميركي المسلم. وألقى الرئيس في هذا الحفل كلمة عن التعددية التي تؤمن بها أميركا، واحترامها للأقليات، وهو محقٌ في كلامه، فكما أوضحت في مقال في هذه الصحيفة منذ أسبوعين، فإن الدستور الأميركي يتميز بمنظور متنور ومتقدم للتعددية واحترام الحرية الدينية. ولكن ما لفت نظري في كلمة الرئيس هو تركيزه على أحداث 11 سبتمبر 2001، ودعوته لأسر بعض ضحايا تلك الأحداث لحضور حفل الإفطار وتوجيهه الحديث إليهم، مما يعني أن تلك الأحداث ما زالت حاضرة في أذهان الأميركيين كأحداث تُعرّف وتحدد علاقتهم بالعرب والمسلمين. ولعل الرئيس سعى من دعوتهم لحفل الإفطار إلى تشجيعهم على المصالحة والتسامح تجاه مواطنيهم المسلمين، ولكنني أشك أن ثمة دافعاً آخر لا يقل أهمية. فربما أراد البيت الأبيض من التركيز على أحداث 11 سبتمبر في حفل الإفطار قطع الطريق على خصومه الجمهوريين ومنعهم من استغلال هذا الحدث وانتقاد أوباما بسبب إقامة الحفل، على الرغم من أنه تقليد يسبق عهد الرئيس أوباما. والبيت الأبيض حذر هذه الأيام خصوصاً لأنها تمثل قمة الحملة الانتخابية، وقد أصبح الفرق في شعبية المرشحين الجمهوري (رومني) والديموقراطي (أوباما) ضئيلاً جدا.

وعلى الرغم من الحملة الانتخابية ومحاولات بعض السياسيين الاصطياد في الماء العكر، وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي مازالت الولايات المتحدة تواجهها وهي تحاول الخروج من الكساد الاقتصادي الذي دخلت فيه منذ أربعة أعوام، فإنك لا تلاحظ عداء للأجانب هنا. وبناءً على ما رأيتُه خلال تنقلي في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الخمسة الماضية، فإنه ليس ثمة مبرر لتخوف البيت الأبيض من ردة فعل سلبية من قبل المواطن الأميركي العادي لإقامة الرئيس أوباما حفل الإفطار الذي أشرتُ إليه. ففي كل ولاية ومدينة وقرية ذهبتُ أنا وأسرتي إليها رأينا التسامح والتفاهم والكرم من قبل الأميركيين العاديين، وحينما يعرفون أننا من المملكة العربية السعودية فإنهم يبدون حرارة في الاستقبال والترحيب، مشفوعة بكثير من حب الاستطلاع.

ولا أشك في أن ثمة عدداً لا بأس به من المتعصّبين وضيّقي الأفق، كما في كل بلد، وقد كتبتُ عن ذلك سابقاً في هذه الصحيفة، خاصة من قبل مجموعات اليمين المتطرف الذين يرون في تواجد المسلمين، والأجانب عموماً، في أميركا خطراً وتهديداً. وأوضح مثال على ذلك الهجوم المسلح الذي شنه متطرف يميني على معبد للسيخ في ولاية ويسكنسن الأسبوع الماضي، ونتج عنه قتل ستة من المصلّين. وهو حادث وقع في الولاية التي كنا نمر بها هذا الأسبوع، يُذكّرنا بما قد يكون خلف الكواليس في عالم التطرف اليميني، وقد سبقه حادث دموي آخر في ولاية كولورادو، إلى الجنوب من هنا، نتج عنه مقتل نحو اثني عشر شخصاً كانوا يشاهدون فيلماً سينمائياً، وإن كان لا يبدو لهذا الحدث بُعد سياسي أو عنصري.

وقد عشتُ في أميركا عقوداً من الزمن جعلتني أدرك تواجد هؤلاء المتعصبين، ولكنهم أقلية محدودة من حُسن الحظ. كما رأيت مراراً كيف تُظهر الحملات الانتخابية أحياناً أسوأ خصال المجتمع الأميركي، حين يحاول بعض السياسيين تحريض الناخبين على الأقليات أو الأجانب، في محاولات يائسة لجذب الانتباه إلى أنفسهم أو تشويه سمعة منافسيهم. ولكن على الرغم من كل ذلك، يجب ألا نسمح للمتطرفين، لدينا ولديهم، بأن يحددوا نوع وأبعاد العلاقات التي يمكن أن تقوم بين المسلمين وأميركا. وكم أتمنى ألا يستمر الأميركيون في الاعتقاد بأن الإرهابيين التسعة عشر الذين هاجموا مركز التجارة العالمي وواشنطن وبنسلفانيا في 11 سبتمبر 2001 يمثلون مئات الملايين من العرب والمسلمين، الذين لم يكن لهم يد في تلك الهجمات، وفي الوقت نفسه فإن العرب والمسلمين يجب ألا ينساقوا إلى التعميم، واختزال المجتمع الأميركي والحضارة الأميركية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي يختلفون معها، فأميركا أكبر من ذلك، كما أن المجتمع العربي والإسلامي، والحضارة العربية والإسلامية أكبر من مجموعة من الإرهابيين سعوا إلى دق إسفين الحقد والكراهية بهجمات سبتمبر. ومتى ما أدرك الجانبان ذلك، فإن ثمة فرصاً أكبر لنجاح الحوار بينهما.