أدرك تماما أن الموضوع الذي أطرحه اليوم هو انفعالي جدا، ولكن اسمحوا لي أن أطلب منكم ترك العواطف ولنحاول ولو لفترة قراءة هذه المقالة وترك تشغيل المشاعر، ليس من أجلي أو من أجلكم، بل من أجل حماية ما تبقى لنا من فطرة سليمة، تتعرض يوميا لهجوم سافر من كل وسائل الإعلام، يجب أن نعمل وبجدية تامة على وضع المشاعر جانبا، وليتنا نستطيع تحييدها ولو مؤقتا، بما أنها نقطة الضعف التي يتسللون من خلالها إلى وجداننا وسحبنا كالأغنام إلى حيث يريدون.
وهنا تظهر أهمية تفعيل المنطق، فلقد خلقنا بعقل لنفكر، وبمشاعر لنتعاطف لا كي نُكسر ونُجر، وعليه فمن المفترض منا استخدام العقل وتحييد المشاعر خاصة حينما يحتاج الأمر كي نحكم أو ننتقد، انتقاد البناء، لأن نقد الهدم هو نتيجة عواطف سلبية مثل الكراهية والغيرية أو العداء، واليوم هنالك من يحاول دفعنا بل إجبارنا من خلال كل الطرق الملتوية لكي يدخلونا في دائرة الذنب، أو الشعور بالتقصير، وعليه ولكي لا نشعر بالذنب يجب علينا ترك التفكير والتدبير لهم، خدمة من خدماتهم المجانية التي يمطروننا بها يوميا! يريدوننا أن ننسى بأن لنا عقلا ونركز على المشاعر التي من خلالها يتم مسح الذاكرة بداخلنا سواء كانت ذاكرة جينية أو ذكراة خبرات تعليمية أو ثقافية، المهم أنها ذاكرتنا وهنالك من يريد إلغاءها.. ما يجب أن يحدث هو التركيز على إبقاء الذاكرة حية لكي نستطيع أن نقيس ونحكم، وقد نسمح حينها للمشاعر أن تنطلق، ولكن بتحكم من قبلنا لا من قبل أي قوة أخرى الله أعلم ما تحمل من أجندات خفية أو معلنة، والذي يغيظ فعلا أننا نرى الكثير منهم بأجندات واضحة ومعلنة ليس فقط عن وقاحة أو استفزاز، ولكن لتأكدهم من أنه ليس بمقدرونا فعل شيء، لأنهم القوة ولأنهم الرقي ولأنهم التمدن، وإن لم يعجبنا فلدينا البحر نبلطه، طبعا حسب وجهة نظرهم!
حينما لا يكون المنطق هو الخيار والأساس.. فما يتبع في غالبية الأحيان هو.. مأساة! ما أريد قوله هنا هو مخاطبة القلب والمشاعر، بمعنى آخر مغازلة القلب والمشاعر، أو لنقل غزو القلب والمشاعر.. هي الطريقة المثلى لتفادي قلب كل قضية، وحينما يتجمد التفكير لا نستطيع أن نصل إلى الذاكرة، وإن حرمنا من التواصل مع ذاتنا تفلتت من بين أيدينا حينها خيوط حيوية وجدت في الأصل كي نتمسك بها ونشدها لتساعدنا لكي نتمكن من التوصل إلى أقرب سبل النجاة دون أن نكون السبب في هلاك غيرنا لمجرد أن سمحنا لمن يريد هلاك الغير باستخدامنا سواء من خلال الدعم أو أو المساندة أو الأهم تحييدنا لإفساح الطريق بل كل الطرق لهم، وبالتالي ما علينا إلا انتظار دورنا فهو آت آت، فإن لم يكن ذلك واضحا لنا في آنه فهو واضح لديهم لدرجة أنهم يرونه لا يلمحونه.. وطالما أننا زبائن مثابرون على أداء فروض الاستماع والنظر.. وهناك فرق بين ذلك وبين تفعيل الإصغاء والتبصر، والتبصر هنا ليست كلمة جذابة أو كلمة للتزيين بل هي الطريقة المثلى للتوصل إلى الحس النقدي، الحس الذي لا يقبل الصيغ السهلة التي تفرض عليه برضاه أو من غير رضاه، بعلمه أو من غير علمه، الحس الذي لا يقبل الأفكار المبتذلة أو المركبة أو الجاهزة، الأفكار المصنّعة في غرف عمليات مظلمة وتطلع علينا كأنها النور أرسل إلينا ليضيء فضاء الجهل الذي يغمرنا، مرة أخرى من وجهة نظرهم طبعا!
حقا كم مرة في حياتنا سمعنا أو شاهدنا أناسا بنوا قراراتهم على العواطف؟! هناك مثلا حب النظرة الأولى، والغضب الساطع، والاكتئاب المدمر، ولا ننسى التهور الذي بني على مشاعر مؤقتة من اللذة أو السعادة، كما أن هنالك خوفا يؤدي إلى جنون، وهنالك العاطفة التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات تقضي على أسرة أو فرد أو مجتمع، كل المشاعر تغير تفكيرنا عن مساره الصحيح، لذا يجب أن نتعرف على مشاعرنا ونعرف كيف نتحكم بها بأنفسنا ولا نسمح لها أن تتحكم بنا سواء كانت صادرة من داخلنا أو من خلال محرك خارجي.
لا أريد أن ألغي المشاعر فهي الريشة التي تلون لنا الحياة وتجعلنا نتواصل مع أنفسنا، مع الطبيعة والأهم من ذلك كله، التواصل مع الخالق.. ولكن حين يتعلق الأمر ـ أي أمر ـ بالحكم واتخاذ القرار مهما كان بسيطا أو معقدا، يجب أن نفعّل المنطق، لأن المنطق هو من يحرس المشاعر أو لنقل يلجمها حين تميل إلى الجنوح، لو أننا فعّلنا المنطق أكثر من المشاعر، لكانت نسب المعاناة في العالم أقل ونسب التلاحم والانسجام أكبر.
الرسالة هنا هي ألا نسمح لدراما الصور والمشاهد أن تطلق العواطف وتلغي العقل والمنطق، فرد الفعل لدينا يجب ألا يكون نتيجة برمجة أو جموح لحظة، بل نتيجة تفكير وتعقل خاصة إن كان في الأمر مصير.. أي نوع من المصير!