بإطلالة سريعة على أغلب دساتير الدول في العالم نجدها تقوم على قيم أخلاقية كبرى كالمساواة والعدالة والإخاء. التزام الدولة بتحقيق هذه القيم هو مشروعيتها الحقيقية في نهاية المطاف فالعقد بين الناس ودولتهم ينص على أن تقوم هذه الدولة بالعدل والمساواة وتكفل حرياتهم وتستثمر مالهم العام في صالحهم وأن تكفل السلم الاجتماعي وأن تحتكر العنف وتخرجه من أيدي الأفراد إلى يد المؤسسة التي تمثلهم. من هذا المنظور فإن الدولة هي مؤسسة تبني شرعيتها على قيم أخلاقية كبرى، ولا معنى لوجودها بدون التزامها بهذه القيم.

هل يعني هذا أن الدولة بهذا الشكل أصبحت تتبنى قيما أخلاقية معينة وبالتالي تفرضها على المجتمع؟ هذا سؤال مهم خصوصا للدولة الليبرالية التي تراهن على الحياد وتدّعي أن مهمتها تكمن في إتاحة الفرصة للأفراد لأن يختاروا قيمهم الأخلاقية الخاصة. لذا فإن جون رولز يؤكد على أن الليبرالية السياسية ليست مذهبا أخلاقيا بقدر ما هي مذهب سياسي. بمعنى أن الليبرالية السياسية لا تقدم نفسها على أنها منظومة أخلاقية متكاملة تطلب من الناس تبنيها بقدر ما هي منظومة إتاحة. أي إنها مشغولة بتوفير الفضاء العام الذي يكفل لجميع التوجهات الأخلاقية السلميّة الحق في الوجود. هذا الموقف من الليبرالية السياسية بحسب رولز هو موقف أخلاقي أيضا باعتبار أنه يرتكز على مبدأ استحقاق الفرد لاختيار منهج وطريقة حياته بحرية. احترام حريّة الآخرين هو موقف أخلاقي بامتياز.

في المقابل فإن العمل السياسي في أغلب دول العالم غير خاضع لقيم أخلاقية وإن كان خاضعا ولو نظريا للقانون. كل حزب سياسي يحاول الوصول إلى الحكم بشتى الوسائل وإن وصل استثمر مؤسسات الدولة لتحقيق أجندته الخاصة ولذا نجد أن تذمّر الناس من حكوماتهم واعتقادهم أنها تعمل لخدمة رجال المال والأقوياء على حساب الناس والقيم الأخلاقية التي يجب على الدولة تحقيقها. ولذا لن يكون من المستغرب تحوّل الدولة إلى أكبر مفسد أخلاقي. بمعنى أن دولة الاستبداد، التي تخضع بطبيعتها للحزب والفريق الممسك بالسلطة، هي دولة لا أخلاقية لأنها تعتدي على حريّات الناس وتعيق حياتهم وتفسد حياتهم بالكامل.

إذا اتفقنا على أن الدولة في فكرتها الأولى تقوم على مبادئ أخلاقية تتمثل في الدستور وأن العمل السياسي يغلب عليه الخروج عن القيم الأخلاقية فإن الفصل بين الدولة واللعبة السياسية هو المعوّل عليه في الحفاظ على الطبيعة الأخلاقية للدولة. أي إنه في دولة ذات مشروعية دستورية أي إن دستورها يضمن القيم الأساسية لحياة عادلة وكريمة تتوقف أخلاقية هذه الدولة على الفصل الواضح بين الدولة والحكومة أو بين الدولة واللعبة السياسية المباشرة واليومية. بمعنى أن يتم تحجيم صلاحية الحكومة لدرجة لا تمكّنها من استعمال مؤسسات الدولة لأغراضها الدعائية. هذا المبدأ هو ما يعرف بمبدأ فصل السلطات المشهور في الأدبيات القانونية. هدف هذا المبدأ هو منع تمتع أي طرف من الأطراف التنفيذية أو التشريعية أو القضائية بسلطة مطلقة تجعل من مؤسسات الدولة لعبة في يده يستثمرها لأغراضه السياسية ويخرجها بالتالي من تحقيق الدور الأساسي (ذي المشروعية الأخلاقية) الذي يجب أن تقوم به. بمعنى آخر أن بمقدار ما تتمايز الحكومة عن الدولة تحافظ الدولة على أساسها الأخلاقي وبقدر ما تتماهى الدولة والحكومة بقدر ما تختفي القيمة الأخلاقية للدولة.

جانب آخر أعتقد أنه مهم جدا في هذا السياق وتحدّث عنه جون ديوي في كتابه المجتمع ومشاكله وهو قضية اختفاء صانعي القرار خلف مؤسسية الدولة وتملّصهم من المسؤولية القانونية عن قراراتهم. ديوي يحذر من دولة على شكل مؤسسة هائلة لا يعرف الناس من يديرها. أو بمعنى أن تتحول بيروقراطية الدولة إلى غطاء يحمي صانعي القرار من مسؤولية قراراتهم. هذه الإشكالية واضحة اليوم خصوصا في القضايا التي تدعمها الشركات الكبرى في كل المجالات الاقتصادية حيث يتحول القرار المباشر المتعلق بحياة الناس إلى سلسلة هائلة ومعقدة من القرارات والمعلومات الصغيرة تختفي خلفها أي إرادة شخصية أو مسؤولية فردية. ولذا كان ديوي يؤكد وباستمرار على لا مركزية الدولة باعتبار أن مركزيتها تعني اغترابها وابتعادها عن الحياة المباشرة للفرد. كان ديوي يدعو لأن تكون مؤسسات الدولة في كل مكان من الوطن تدار من قبل شخصيات اجتماعية معروفة لدى الناس وتتخذ قرارات مباشرة لا تحجبها تعقيدات بيروقراطية. اغتراب الدولة التي حذّر منها ديوي يعني أن تصبح الدولة تدار من بعيد لدرجة أنها تعجز عن فهم حقيقة الأمور على أرض الواقع.

الجمع بين معادلتي فصل مؤسسات الدولة عن التأثر المباشر باللعبة السياسية وكشف الدولة باعتبارها مؤسسة يديرها أفراد يتحملون مسؤولياتهم المباشرة، أي بعبارة أخرى أن تكون مؤسسات الدولة بعيدة عن يد السياسي وقريبة من حياة المواطن. في هذه المعادلة تحديدا يمكن أن تحافظ الدولة على معناها الأخلاقي المتولد من ضرورتها كحل لواقع التجمع الإنساني. لنتذكر دائما أن الدولة بطبيعتها تحمل طبيعة ضاغطة وثقيلة على الذات الحرة المستقلة لنتذكر أن الدولة هي اضطرار وليس اختيار بمعنى أنها الحل الوحيد لطبيعة التجمع البشري. تجمع عدد كبير من الناس في بقعة جغرافية واحدة يجعل من الضروري وضع نظام يضبط العلاقة بينهم. هدف هذا النظام هو أن يعيش جميع هؤلاء بحرية وبحياة كريمة وهذا هو الأساس الأخلاقي للدولة، بقدر اقتراب الدولة من تحقيق هذا المعنى فهي تقترب من مشروعيتها الأخلاقية وبقدر ابتعادها عنه فإنها تصبح ذات معنى لا أخلاقي حاد. اليوم تحول الدولة إلى أداة في يد السياسيين لتحقيق أهدافهم الحزبية الضيقة أو تحولها إلى مؤسسة بيروقراطية مصمتة مغتربة عن حياة الناس يعد من أهم الأخطار على المشروعية الأخلاقية للدولة بالدرجة الأولى.