انجذبت إلى مقالة الزميل محمد المسعودي المنشورة هنا الأحد الماضي عن "طاش" الممنوع في ماليزيا، وقد شدني العنوان لارتباطه بكلام عن "طاش" الذي صار أحد لوازم رمضان، مثله في ذلك مثل "الفيمتو"، كما أن الحديث عن ماليزيا في حد ذاته سبب آخر لجذبي، خاصة ما تتوافر عليه ماليزيا من حداثة نموذجية مغلفة بإطار إسلامي متحضر ومعتدل.
والواقع أننا في خضم سعينا للتطور والتمدن نبقى حتى الآن في هذا الوطن عاجزين عن تكييف كثير من هذه المستجدات والأدوات المدنية مع طقوسنا الإسلامية. وبمعنى أوضح فإننا نخل بكثير من النواهي والأوامر في منظومة آداب المعاملات الإسلامية، ولم نستطع حتى الآن التكيف مع المرحلة الانتقالية من مجتمع القرية الصغيرة بكل موجوداتها البسيطة والبدائية إلى مجتمع المدينة الضاجة المزدحمة المترامية الأطراف بموجوداتها المعقدة من شوارع ومبان وجسور وشواهق، أي أننا انتقلنا بعفوية القروي سريعاً لنتعاطى مع المدن العصرية ومعطياتها، وهذا ـ حقيقة ـ لا ينسجم مع هذه النقلة، وهو بدوره ما يحدث هذا التجاوز في سلوكياتنا التي هي خلاف أدبياتنا الإسلامية، ولو أردت أن أعدد لاقتضى الأمر مساحة أكبر وجلداً للذات أكثر، لكن الأمر أجلى وأوضح من التعداد، وأي مراقب لطريقة تعاملنا مع السيارات كمثال واستخداماتنا للطرق وعدم التزامنا بأنظمة السير وتجاوزاتنا السلوكية في رمي المقذوفات من نوافذ السيارة أو في طرق إيقافنا و"تلبيقنا" للسيارات عند المساجد وعند المدارس وعند المستشفيات وعند الأسواق، يكشف بدائية وأنانية لا تليق بابن المدينة لكنها تأتي سلوكاً عفوياً لابن الصحراء التي لا تنضبط كما هو حال المدينة مع عجز للنظام في ضبط هذا السلوك الفردي الخارج عن مألوف الحداثة.
وأنا أتفق مع الأستاذ محمد المسعودي في الانحياز للنموذج الإسلامي الماليزي المتحضر الذي يفترض أنه يحفز على الاقتداء، لكنني ـ دائماً ـ ما أقع في حيرة من أمري أمام كوننا نحن السعوديين رغم كثرة ضربنا في الأرض وسفرنا في الأمصار وتقلبنا في المواسم والعطلات في كل الجهات شرقيها وغربيها وشمالها وجنوبها وباردها وحارها، ومع كوننا نرى النماذج الحديثة المتطورة بما فيها الدول ذات الصبغة الإسلامية، إلا أننا منذ أن نعود إلى أوطاننا فإننا نعود سيرتنا الأولى والتي تخترق النظام وتعلي الواسطة وتبرز الفردية التي تختط لها نظاماً أنانياً صرفاً لا ينسجم مع القانون العام، ولا يكترث لمنافع ومصالح المجموع، فإذا تفشت هذه الفردية والوحدانية، كما هو حاصل عندنا، شاعت الفوضى وانتهك النظام ومهابة القانون الذي مازال يخضع لعادات و"سلوم" القبلية بما فيها من "حب للخشوم" وفزعة قبلية تعد خدمة ومعروفاً يقدمه القيم على النظام لمن يعرف ولمن له حظوة أو شأن عنده، كما أن عدم تقديم هذه الواسطة يعد في عرفنا الاجتماعي عيباً وضعفاً ومنقصة عند من توسطنا عنده، بل إن خرق النظام بالواسطة يعلي قدر هذا الموظف أو ذلك بما يجعله هدفاً للإشادة والثناء في أوساط المجتمع امتثالا في ذلك للقول السائد "إنما العاجز من لا يستبد".
والواسطة التي أقصدها هنا هي تلك التي تعطل قانوناً وتبرئ مخالفاً وتقدم من لا يستحق على الأحق. لست هنا ضد أن يقدم الموظف خدماته للناس ويقوم بالتبشير والتسهيل، فذلك من صنائع المعروف التي ينُدب ويحبب فعلها وفاعلها، لكن سيادة النظام على الجميع وتطبيقه دون محاباة كفيل بالقضاء على الاختراقات والواسطات التي جعلتنا ننعم في حضارة الآخرين في سفرنا ونحسن التنعم في هذه الحداثة التي جلبناها ولم نحسن التعاطي معها.
ليتنا نتعلم ونقتبس من الخارج كل المعطيات والضرورات والسلوكيات التي تأتي كحزمة واحدة، في نقس الوقت الذي نستورد فيه الأدوات الحديثة التي تقتضي أسلوباً لا تخرقه المجاملة أو الواسطة أو التسامح في غير محله، والذي يتكئ على عبارة "معليش" ضعف وخور لا يستقيم مع ضرورة سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون أي محسوبيات.. هذا تماماً هو الفارق بين تمدن ماليزيا المسلمة وتمدن "معليش يا".