يقول الرب وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.

مصطلح الحي الميت عنى به القرآن وكرّمه أنه مصير الشهيد، فلا خوف من دخوله ولا حزن على من دخله!

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وهناك أناس ماتوا، ولكن اسم صاحبه خالد لا يزول، يلمع في الأفق بأشد من الشعرى اليمانية، من أبرزهم الرسل والصالحين والفلاسفة، وهناك على العكس أسماء تبقى ليس لأن صاحبها صالح بل لأنه طالح وعتل زنيم جبار عنيد، ولعل متحف الشمع في لندن خلد أناسا من هذا النوع. أتيلا وهتلر وبول بوت وستالين أبو الشوارب وفي الغابة العربية عشرات منهم.

في صيف عام 2010 مات ثلاثة من أدمغة الفكر العربية باتجاهات شتى.. مات عابد الجابري المغربي، وحسين فضل الله اللبناني، ونصر حامد أبو زيد المصري، وكل امتاز واشتهر بتوجه خاص فأفضوا إلى ما قدموا فبصرهم اليوم حديد، الأول كان قومي التوجه كتب في نقد العقل العربي، فجاء من نقده من بعده مثل طه عبدالرحمن المغربي والطرابيشي اللبناني في كتاب نقد النقد؟ والثاني رجل دين شيعة امتاز باعتداله وتمنينا أن يقوى اتجاهه ويتعمق، ولكن الشباب خطفتهم تيارات التشدد حتى حين. والثالث أثار ضجة كبيرة في بحوثه ضد الفكر التقليدي الإسلامي أدخله في محنة قذفته لججها إلى الهجرة كما هو حال كثير من المفكرين الأحرار؛ فكان مصيره في هولندا مذكرا بديكارت وسبينوزا الذين اتخذوا من هولندا مكان حماية وزاوية قراية. حيث عاش فيها ردحا من الزمن قبل أن يأتيه الأجل على نحو غامض فدخل في سبات دماغي أسلمه إلى الموت القاهر.

وممن مات أناس لا أنساهم مثل الدكتور حسن الهويدي السوري من دير الزور الذي إن صلى غاب عنك، وقبله صديقه اللصيق كالظل أمين شاكر أستاذ الرياضيات البارع، وصديقي أبو توفيق لطفي علوان الحمصي الأستاذ الذكي اللطيف الدمث الوديع الخدوم المحب لمن حوله، وأعتبر أن أهل حمص من سوريا هم أطيب الناس معشرا وأجملهم خلقا وخلقا وتدينا، وإن كانت المدينة بدأت بالتغير من كثرة الوافد والمعتر.

مات أيضا فتحي يكن اللبناني ومحمد عوض الشامي ومن قبله شوكت الجبالي الدمشقي الفلسطيني، وكلهم أناس اجلاء أفاضل تسارعت إليهم يد الموت فغيبت محاسن تلك الوجوه في الثرى.

بل ومات أحب الناس إلي زوجتي ليلى سعيد فكان غيابهم في حياتنا مثل أثر ثقب أسود شفطنا إلى الفراغ، وزعزع توازننا إلى فترة طويلة، قبل أن يتداركنا اللطيف الخبير فنستعيد توازننا ونسترد صحتنا النفسية.

ولكن الدنيا تغيرت فأصبحت دنيا أخرى وأتذكر طيوفا لا تنتهي من أشخاص لا ينتهون أفضوا إلى الأبدية أم ذكوان.. ذكوان.. تركي الربيعو.. مروان من بير عجم..

أعبجبتني المقابلة التي أجرتها مجلة ب ـ م الألمانية دنيا العلم (P.M – Welt des Wissens) مع الفيلسوف فيلهلم شميد (Wilhelm Schmid) حين سألته عن معنى الموت، ولماذا كان الموت حيويا وضروريا للحياة، وهو معبر عنه القرآن عن هذه الجدلية (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فأجاب تصوروا أن لا موت؟ ماهي النتيجة؟ ستغيب دوافع الحياة كلية لذا كان لابد من الموت لخلق دافع الحياة؟ أليس صحيحا..

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.