تُعد محافظة الحُرّث في الجنوب السعودي، إحدى أهم المحافظات الواقعة على الحد الجنوبي للمملكة العربية السعودية. ويقطنها ما يقارب الخمسين ألف نسمة تقريباً. وتم تأسيس المحافظة بحاضرتها مدينة الخوبة. وهي عاصمة المحافظة منذ البدء، وسوقها الأشهر الذي يعرفه أغلب أبنا الجنوب السعودي. وهو أحد أقدم الأسواق الشعبية التاريخية بمنطقة جازان. واستمر على ذلك بعد توحيد المملكة العربية السعودية في عام 1353. وتمتلك هذه المحافظة أرضاً خصبة تشقها الوديان الدائمة الجريان على مدار العام، كما لا يمكنك إلا أن تعشق هواء جوها العليل المعتدل، وسماءها المطيرة على مدار العام. وهو ما يجعلك تهيم بخضرة حقولها وتمايل عذوق الحب والدخن، وروائح الكاذي والنباتات العطرية.

في محافظة الحُرّث لن تمل الغناء والرقص ومغازلة الأرض الجميلة. ناهيك عن عظمة أخلاق أهلها الكرام الكرماء. ولو كنت مسؤول الهيئة العامة للسياحة بالمملكة لاتخذت منها منتجعاً سياحياً وطنياً دون تردد. على امتداد الأسبوع الفائت تشرفت بزيارة هذه المحافظة الرائعة ثلاث مرات بصحبة أصدقاء الحرف والحرية الإعلاميين خالد المأربي ونزار قب. على إثر دعوة من أسرة ناديها الاجتماعي (مركز النشاط الاجتماعي بالحُرّث)، ومجلسها البلدي، وبعض مشايخ قبائل الحُرّث من أبناء وأحفاد الشيخ أحمد طراد (رحمه الله). منصور وأحمد ومحمد وسلطان. في الواقع لم أستغرب حسن استقبالهم لضيوف محافظتهم باحتفالية كبيرة، إن دلت على شيء فإنما تدل على تعودهم على ذلك أكثر من أي شيء آخر. فهي من جذور تقاليدهم وشيمهم وأخلاقهم الرفيعة. وما زاد من سعادتي واحتفاليتي الشخصية، ما شاهدته من تعاونٍ اجتماعي مدهش، يتجسد على الأرض بشكل حقيقي يُعبر عن مجتمع مفطور على ذلك قطعاً. فالحركة الدؤوبة لمجموعة العمل بمركز النشاط الاجتماعي بالحُرّث، التي يطل من نافذتها مجموعة من الشباب المحملين بحب تراب محافظتهم. فهذا عبدالمجيد عريبي نحلة الترتيبات السكرتارية لا يكاد يجلس، وذاك خيرات الأمير يفتتح صحيفة الحد الجنوبي الإلكترونية للمحافظة، وهناك أحمد شراحيلي يُحلق بالتصاميم الإبداعية والمطبوعات. إنها مجموعة نشطة تتحدث بلغة العمل الاجتماعي الناضج، الذي يقترن بوعي الشباب المُثقف المتحضر. وأقولها بصدق لم يدهشني أن يكون مستوى إحساسهم بالمسؤولية تجاه المجتمع مرتفعاً حد السحاب. لم يُدهشني أن أرى مجتمعاً تعاونياً حقيقياً لا يكتفي بخطوات محددة وكفى. لم يُدهشني أن أرى قصة عشق بين الإنسان والأرض في محافظة الحُرّث، يعملون بدعم من حبهم للأرض والوطن. وهو العمل الذي لا ينقصه روعة إلا تكامل أسرة المجلس البلدي بالمحافظة مع أهالي المحافظة، ومع كل الأنشطة الاجتماعية المقترحة. وهو ما يحدث بالفعل كأنموذج على امتلاك الوعي بالمقدرات وأساليب العمل، وإيمان بطريقة التواصل مع الآخر. إذ على مدى تواصلي على مدار الأسبوع المنصرم، وفي الوقت الذي كنت أتوقع فيه أن يُخيم الصمت على اجتماعات الأهالي وشباب مركز النشاط الاجتماعي، عند اصطدام أعمال المتطوعين ببعض المعوقات الطبيعية نتيجة تغير وتنوع أعمالهم، إلا ويكسر توقعي ذلك الرجل الجميل الصامت أحمد الهزازي رئيس المجلس البلدي بالمحافظة. إذ لا يقول شباب مركز النشاط نريد شيئاً، إلا وقال بكل ثقة وأريحية سأوفره لكم. هذه الحوارية المتناغمة الممتعة في الواقع بين شباب مركز النشاط الاجتماعي بالحُرّث، وبين أسرة المجلس البلدي، ومشايخ قبائل المحافظة، هو دليل عظيم على رغبة جميع أهالي الحُرّث في استعادة جمال أرضهم التي شوهتها حينا ظروف الحرب الغادرة من قبل مليشيات الحوثيين المارقة، وإعادة إعمار الأرض على طريقتهم التي عرفوها وتوارثوها عن أجدادهم دائما.

إن ما يحدث في محافظة الحُرّث من نشاط اجتماعي تعاوني إنساني، هو عنوان صريح للعمل الاجتماعي النوعي نادر الوجود في كثير من المجتمعات، يستحق الاحترام والتقدير ورفع القبعة. ويُعبر عن حجم تواصل الإنسان مع تراب الأرض التي ولد عليها وانتمى إليها. وهذه نقطة انتماء عظيمة للوطن بأسره وإحساس بالمواطنة يليق بهم. تابعت كل ذلك وعايشته عن قرب وكأنني أرى مقولة: "ما زال عمل الفرد الشرارة التي تدفع البشرية إلى الأمام". وكم أتمنى أن يكون الوعي بقوة العمل الاجتماعي مماثلاً لما لمسته عند أهالي محافظة الحُرّث وقبائلها ومسؤوليها. وأقولها بصدق إذا أردت النجاح فاذهب إلى محافظة الحُرّث التي باتت تُعرف بالحد الجنوبي، وحل على ترابها وبين أوديتها وتسامر مع أهلها. فقد تألق الجميع هناك ولا يزالون يفعلون، من أجل هدف واحد هو رخاء وتنمية محافظة الحُرّث، وإنسان الحُرّث في الحد الجنوبي بأكمله، فمرحى لهم.