عندما أتأمل، وأتابع إحساس، وشعور جيل اليوم عن مفهوم العيد، وعن فرحة العيد، وعن أنشطة يوم العيد، وما يتبعه من أيام لا أجد أن هناك استعدادا أو ترقبا، أو تطلعا، أو حتى ذكرا للعيد بشكل مكثف في أحاديثهم، أو مراسلاتهم عدا أنه يرجع للعيد وكأنه فترة زمنية يمكن أن يشار إليها في تواصلهم الإلكتروني بـ "قبل العيد، أو في يوم العيد، أو بعد العيد" فقط لا غير، وكأن هذا اليوم يوم عادي، ولا يعني لهم شيئا، ولا أعرف الأسباب الحقيقية وراء هذا الشعور البارد نحو العيد، وفرحة العيد، وقد يكون وراء ذلك أسباب يعرفها الشباب أنفسهم، ولا يعرفها الكبار، وهذا الموضوع بحاجة إلى وقفة لأنه قد يمس قيم المجتمع بشكل مباشر، أو غير مباشر.
ففي الماضي كان يوم العيد من الأيام التي ينتظرها بشغف جميع أفراد الأسرة فنجد أن الابن، أو البنت تنتظر يوم العيد لأن الأب الذي لديه قدرة مالية سيقوم بشراء ثياب جديدة لأفراد الأسرة قبل العيد لكي تخرج الأسرة في العيد في ثياب جديدة، وبعض الآباء يوفر مبلغا من المال قبل العيد بفترة من الزمن، ويجعله مخصصا لثياب العيد، ويردد الأطفال في الأيام التي تسبق العيد، وأيام العيد: "جانا العيد، ونلبس ثوب جديد"، وبذلك فتوفير الثياب الجديدة في أغلب الأحيان مرتبط بالعيد، وقد لا يتمكن البعض من شراء ثوب لعيد الأضحى إذا تم شراء الثوب في عيد الفطر، وعلى صاحب الثوب المحافظة عليه إلى العيد الآخر. أما الأم فاستعدادها ليوم العيد يتمثل في عملية تغطية الأرضيات بطبقة من الطين مع الماء لتسديد الشقوق، أو ما يعرف بـ"الصهار"، وتنظيف المنزل، وصباغته، وكانت عملية الصباغة، أو الدهان من خامات البيئة المحلية، فيتم صبغ اللون الأبيض من مادة الجير المتوافرة في بعض المواقع القريبة من المدينة، أو القرية، ويتم تزيين البيوت باللون الأخضر الذي هو عبارة عن عصارة البرسيم، ومن كان لديه مقدرة مالية يتم صبغ البيت بالدهانات التي تم استيرادها، وتوفيرها في محلات محدودة في ذلك الوقت، وكان النوع الوحيد في البداية، والمشهور ماركة "أبو ديك" الياباني الذي له جودة عالية، ويدوم لسنوات طويلة من دون تغير، أو تحول، وفي صباح يوم العيد تقوم ربة الأسرة بتجهيز وجبة الإفطار من الأكلات المحلية، ويذهب الأب، وأبناؤه إلى مصلى، أو مسجد العيد، وبعد ذلك يتم تجمع أفراد القرية من الرجال، ويزورون كل بيت، ويأكلون من وجبة الإفطار، المجهزة، ويتجمع النساء بعد ذلك ويتبادلن التهاني بالعيد، ويزرن كل بيت، ويأكلن ما تيسر لهن من وجبات الفطور، وفي بعض المدن يتم جمع الوجبات في مكان مخصص من أغلب البيوت في الحي، ويتم الإفطار بشكل جماعي، وتظهر على هذا الاجتماع روح التآلف، والمحبة، والتكافل، والتعاون، وغير ذلك من الصفات الاجتماعية الجميلة، كما يقوم بعض الآباء بتقديم الهدايا لأفراد أسرته حتى وإن كانت متواضعة، ولكنها كبيرة في معانيها، وتعني الكثير لأفراد الأسرة من الأبناء، والبنات، والزوجة، والأخوات، والأقارب بشكل عام، وبذلك يتم تحقيق مبدأ التواصل، والتكافل الأسري، والاجتماعي.
أما في هذه الأيام فالعيد يبدو مختلفا عنه في الماضي في كثير من الجوانب، فلقد غابت فرحة العيد، ولم تعد هناك فرحة، وترقب، واشتياق، وانتظار ليوم العيد مثل ما كان عليه الوضع في السابق، وهذا الشعور، أو الإحساس المفقود لدى جيل اليوم بحاجة إلى دراسة علمية، وتقص دقيق من قبل علماء الاجتماع، والمتخصصين في مجال المجتمع لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات إيجابية أو سلبية، وفي هذا المجال أرى أن السبب الرئيس يتمثل في أن كل يوم عند جيل اليوم يوم عيد، فلم يرتبط يوم العيد لديهم بحصولهم على ثوب جديد، أو على ثوب العيد، فالثياب كثيرة، والهدايا لم تكن في أيام العيد فقط، فكل يوم يحصل على هدية، ولذلك يوم العيد لا يختلف عن باقي أيام العام، وقد يعود السبب في ذلك إلى أن الوضع الاقتصادي الجيد الذي نعيشه اليوم، وتوفر المال لدى الكثير أدى إلى توفير احتياجات هؤلاء الشباب بمختلف أعمارهم في كل الأوقات، ولذلك لم تعد هناك حاجة لانتظار العيد للحصول على ما يحتاجونه، أو يتمنونه، كما لا يرى بعض أفراد الجيل الحالي أن العيد فرصة للتواصل مع الأقارب، والأصدقاء، والجيران، فالعيد مثله مثل أي يوم عادي، وهذه مشكلة اجتماعية وتحتاج إلى حل، فالعيد له قيمته، وله مكانته في الدين، وعند من هم يدركون مفهوم العيد الصحيح، ويعرفون أبعاده المختلفة، وقد يعود السبب في غياب ترقب العيد، وعدم الإحساس بفرحته إلى غياب بعض الاستعدادات التي تسبق العيد من تجهيز للبيوت من تنظيف، ودهان، وغير ذلك من الأنشطة التي كانت سائدة في منازلنا في الماضي والتي تسبق أيام العيد بأيام ، ولكنها غائبة في وقتنا الحاضر.
ولقد أحببت أن أعرج على مفهوم العيد، والاستعدادات التي تسبقه في الماضي، والإحساس شبه الغائب لدى كثير من أبناء الجيل الحالي لكي يدركوا كيف كان العيد وفرحته في السابق، ولكي يسهموا في توضيح الأسباب، والعوامل التي أدت إلى هذا الشعور المختلف تماما عنه في الماضي، ولكي يفتح المجال أمام علماء الاجتماع لدراسة بعض الجوانب المجتمعية التي هي بحاجة إلى تقص، ودراسة، ومن ثم قد نصل إلى حلول لبعض مشكلاتنا الاجتماعية التي لم يُنظر لها من قبل هؤلاء المتخصصين، أسأل الله العلي القدير ألا يحرمنا فرحة العيد، وأن يتقبل منا ومن الجميع الصيام، والقيام، وكل عام والجميع بخير، وعساكم من عواده.