يقول تعالى في سورة البقرة عن شهر الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".. تبهرني خاتمة هذه الآية "لعلكم تتقون" وتأخذني بعيدا في مفاهيم متباينة ومتداخلة عن مفهوم التقوى وتطبيقاته في حياتنا اليومية، وفي صور التقوى المختلفة والقيمة الاجتماعية ومنهجيات التطور التي يقدمها، فالتقوى في نظري لا تتوقف عند الجانب التعبدي اللازم للمرء وإنما يمتد مفهومها ليمس جوانب الحياة المختلفة المتعلقة بالغير. إنها الجسر الذي يصل محراب الانسان وعلاقته الخاصة بربه بمحرابنا العام وعلاقتنا مع المجتمع ومع الآخرين.

من أكبر مشاكلنا في عالمنا العربي أننا كثيروا الاهتمام جدا بأخطاء غيرنا وتصيد زلاتهم، بينما نتفنن في إيجاد العذر لأنفسنا على أخطائنا التي كان من الممكن أن نتلافاها لو "اتقينا" وعملنا على تلافيها أو على عدم الوقوع فيها. فمثلا نحن ننتقد الزحام ونتغافل عن أننا من أسباب هذا الزحام بإيقاف سياراتنا في صف ثان وثالث، عوضا عن السير مسافة بعد التوقف في مكان صحيح وإن كان أبعد قليلا، فالصف الثاني والثالث يشبهان الجلطة في الشريان وويقودان إلى بطء حركة السير. نحن ننتقد سوء الأداء في الإدارات الحكومية وكثير منا هو أحد عناصر سوء الأداء دون أن يشعر، فنحن حين نصل دوامنا متأخرين فإننا قد أبطأنا في خدمة المراجع الذي قد يكون مستأذنا من عمله لغرض المراجعة وبالتالي سنتسبب في تعطيل العمل في مكان آخر، وحين نتكاسل عن إتمام المعاملة ونطلب منه أن يراجعنا في يوم لاحق فإننا بالتالي نؤثر على عمله في يوم لاحق أيضا، وفي تصوري الخاص أن هذا كله يخالف أمر "لعلكم تتقون" الذي يأمرنا بتجويد أداء الذات وأن نكون قدوة وأداة في تجويد العمل بدلا من التوقف عند انتقاد الآخر ونسيان أنفسنا.

"لعلكم تتقون" تعلمنا فقه الأولويات وعلاقة الشعائر بواقع الحياة وعدم الفصل بينهما، ومن ذلك تقديم الألزم على اللازم والواجب على النافلة، فحين يتغيب الموظف عن عمله أو يتأخر عن العمل بحجة قيام الليل فإننا قدمنا نافلة على واجب ألزم، وعندما نتراخى عن خدمة المراجعين لاستقطاع وقت لتلاوة القرآن فإننا قد قدمنا لازما على الألزم. إن أداء عملنا بأمانة وإخلاص و"تقوى" هو ـ في نظري ـ أحد امتدادات "لعلكم تتقون".

"لعلكم تتقون" تمس مفهوم القانون وتطبيقاته في أعمق جذوره وقمة تفاعله مع المجتمع، إنها تأتي بالنص القانوني لتمكنه وتسيده وتفرض احترامه وتضع أمام أعيننا الرهبة من مخالفته وإن كان من الصعب تتبع هذه المخالفة، فالصيام عبادة مخبر وجوهر أكثر منه عبادة شعائر ومظاهر، فمهما امتنعنا عن الطعام أمام الناس فإنه من السهل جدا أن نأكل ونشرب حين نختلي بأنفسنا، ولكن نجد أننا نحاسب أنفسنا أحيانا على طعم السواك وأثر ابتلاع الريق ونبقى متحفزين على الصغير قبل الكبير مخافة أن نجرح صيامنا، إنه تدريب على احترام القانون في السر والعلن وتطبيق النظام والعمل بموجبه فيما بيننا وبين أنفسنا قبل أن يكون ذلك فيما بيننا وبين المراقب، إنه تدريب لأن نحاسب أنفسنا هل ابتسمنا في وجه المراجع إذا كان من نظام عملنا أن نبتسم؟ هل اتبعت خطوات العمل وفقا للنظام المقرر أم خلطت وتجاوزت النظام بأن جاملت فلان أو قبلت واسطة علان بينما عقدت المسألة لآخرين والنظام يمنع التعقيد والتفرقة؟

نحن حين نمتنع عن الطعام عند أذان الفجر ونقبل عليه عند أذان المغرب بحيث يتحول مفهوم التقوى من الامتناع إلى الإقدام أو العكس عند لحظة معينة، فإنه تدريب عملي على احترام قيمة الوقت والمواعيد التي يحددها النظام، وذلك بدءا من مواعيد الحضور والانصراف من الدوام والتوقيع على سجله بما يبين حقيقة الوقت الذي بدأنا دوامنا فيه دون تقديم ولا تأخير، ومرورا بتوقيت قبول المعاملات أو تطبيق أثر التقادم عليها بحيث يكون من يقف بيني وبين هذه المخالفة هو محض نص النظام دون الحاجة لرقيب أو حسيب على الرغم من أنه يمكن دون أن يعلم أحد أن تتلاعب على النظام وأن تقبل المعاملة بتاريخ سابق أو أن تقبلها لشخص بعينه قبل الآخرين مغفلا أن النظام يمنع ذلك.

إننا عندما نمنع أنفسنا عن مبادلة السوء بالسوء إن شاتمنا أحد أو تجاوز علينا رغم أننا قادرون على أن ننفذ ذلك غضبا أو حمية، إنما نتعلم من النظام كيف ننظر للأمور بموضوعية ونفصل بين ذواتنا وبين حكم النظام سواء كان هذا الحكم لنا أم علينا، وعندما نمتنع عن الرفث في نهار رمضان رغم كونه غريزة بشرية فإنه تدريب لأن نقف أمام المغريات التي تعرض علينا لمخالفة النظام سواء كانت مصلحة شخصية أو لقريب أو استجابة لرشوة راش أو رغبة منصب.

إن"لعلكم تتقون" دعوة لأن نكون في مصاف الأمم المتمدنة فإن من علامات التمدن أن يكون الحاجز بيننا وبين الممنوع غير ملموس بحيث نلتزم بالنظام لمجرد كونه نظاما.

تغريدة: كم استغرب من قدرتنا على الفصل بين محراب المسجد ومحراب الحياة. نتقن الأداء في الأول بينما نتقن الإهمال في الثاني!