أخذ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ توليه مقاليد الحكم عدة خطوات لا شك أن التاريخ سيسجلها كعلامات فارقة، ومن هذا المنطلق فإننا لا نتحدث فقط عن قرارات أو أفعال للزعماء كما نتحدث بصورة عامة وإنما عن خطوات محورية ساهمت في تغيير مجرى الأحداث بما يسمح لهذه الخطوات أن تكون نقطة انطلاق لتغيير في النموذج الفكري (Paradigm-shift) القائم وأن تساهم مثل هذه الخطوات في صناعة المستقبل بما يسمح لنا أن ننظر لها مستقبلاً على أنها كانت أحد الانعطافات التاريخية المهمة.
هذه المقدمة الصغيرة مهمة لأنها تعكس موقفاً تحليلياً محايداً تجاه مبادرة الملك عبدالله لحوار الأديان، وعلينا في المقابل أن نعي أهمية هذه المبادرة لا لما تعكسه من مثل وأفكار فقط وإنما لما تحمله من تأثير يمكن إذا تم استثماره والعمل به بشكل صحيح أن يساهم في صناعة المستقبل وأن تكون علامة مضيئة لنا جميعاً نفتخر بإسهامنا فيها، وليس أدل على أهمية هذه المبادرة من كونها باتت ينظر إليها على أنها إحدى ركائز قوة الدولة السعودية، فالحرمين والنفط والاقتصاد وحجم الدولة ينظر لهم على أنهم من عوامل قوة سياسة المملكة، واليوم أصبحت مبادرة الحوار أحد الأمور التي يشار لها عند الحديث عن المملكة وعن الملك عبدالله وأصبحت إحدى نقاط القوة الناعمة للمملكة على الصعيد الخارجي، مما يحتم علينا أن ننظر بعين الاعتبار لهذه المبادرة من زاوية أخرى ويحتم علينا أن ننقل هذه المبادرة إلى آفاق أوسع.
مبادرة الملك عبدالله تنطلق من رؤية مفادها أهمية تغليب لغة الحوار للعمل على حل المشاكل والاختلافات وهو الذي بدأ بتأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في أعقاب الأزمة التي تكشفت لنا بعد تفجيرات عام 2003 في المملكة وإذا كان الحوار الوطني بمراحله المختلفة أبرز إيجابيات وكشف عن سلبيات فإن بعض الانتقادات التي وجهت للحوار الوطني تكشف في حد ذاتها نجاحاً لهذه المبادرة في إرساء المفهوم الأساس الذي وجدت من أجله، فالانتقاد هنا دليل على أن هذه المبادرة بناءة ولها مردود ملموس يجب مواصلة العمل عليه وتفعليه خطوة بخطوة مع مرور الوقت، فالجو العام إيجابي ومدى سرعة نتائجه عرضة للرؤى المختلفة التي تثريه وتجعله في طريق ازدياد النجاح.
في المقابل بدأت مبادرة الملك عبدالله لحوار الأديان من نقطة مرتفعة جداً كان يتوجب العمل على المحافظة عليها وعلى الزخم الذي أنشأته، فالجو العام اليوم فيما يتعلق بهذه المبادرة هو أنها عكست توجها فردياً رئعاً تم دعمه بقوة ونال أعلى درجات الاستحسان من العالم ولكن لم تتم ترجمته إلى منظومة عمل لها أهداف ونتائج، كما حدث مع الحوار الوطني.
مبادرة الملك عبدالله فيما يخص حوار الأديان لها ثلاثة أضلع: الأول بدأ في مكة في يونيو 2008 من خلال المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار بين المذاهب الإسلامية وهو ما مثل حواراً إسلامياً – إسلامياً، الثاني: مؤتمر حوار الأديان العالمي الذي عقد في مدريد في يوليو 2008 ومثل انطلاق المسلمين كصوت واحد للحوار مع الأديان الأخرى، الثالث: وهو الذي عقد في الأمم المتحدة في نوفمبر 2008 تحت عنوان "ثقافة السلام" (Peace of Culture) ومثل الارتقاء بمستوى الخطاب نحو حوار الحضارات وما ميز هذه المرحلة الثالثة للحوار هو أنها قامت بنقل المبادرة إلى المستوى السياسي وهو ما يمثل للمتابعين اختراقاً في المسألة كون قضية الحوار كان يراد لها من قبل العديد من الأطراف أن تظل محصورة على نطاق أصغر ومحدود ضمن القادة الدينيين، ولعل الثقل الذي أوجده التبني الشخصي للملك لهذا التوجه سبباً في حدوث هذا التقدم. المبادرات العربية فيما يخص حوار الأديان معدودة ولعل مبادرة الملك عبدالله هي الأبرز إضافة لمبادرة الأمير غازي بن محمد مستشار ملك الأردن والتي بدأت في عام 2006 كرسالة مفتوحة للبابا من علماء المسلمين بعد شهر من خطابه الشهير في جامعة ريجنسبورج وتم العمل عليها لتصدر كوثيقة ومبادرة في عام 2007 تحت عنوان "كلمة سواء" (A Common Word)، وما يميز هذه المبادرة تحديداً هو أنها عملت على خلق آلية (mechanism) لها تمثل في إنشاء "مؤسسة سي1" (C1 Foundation)، ورغم أن هذه المؤسسة وهي آلية عمل المبادرة لا تزال محصورة في نطاق رجال الدين والإعلام والأكاديميين إلا أنها خلقت العديد من مجالات العمل ضمن نطاقها وهو ما يوضح أهمية إيجاد آليات لمثل هذه المبادرات.
مبادرة الملك عبدالله من جهة أخرى نجحت في جعل نطاقها يصل إلى رؤساء الدول كما حدث في نيويورك وهو الأمر الهام الذي يجب أن يتم استثماره من خلال إنشاء آلية لهذه المبادرة، فنصنع نحن لهذه الدعوة سفينة نوح الخاصة بها وللبقية أن تختار الصعود عليها أم لا.