أتعود وأنت تعلم أن فينا الباكي الحزين؟ أتعود وفينا الفقير البائس؟ أما علمت يا عيد بقهر الشباب، وبطالة الشباب، ووأد طموح الشباب، وهناك الكثير من القصص تشهد بموت الآمال والطموح.
ألم يأتك حديث حافز؟ فقد بقي من الزمن شهران وتنتهي إعانة العاطلين ولا يزال معظمهم عاطلين، ولا تزال الجراح كما هي.. والشروط والتحجير في تجديد، بل حتى ألفا حافز يا عيد ـ حتى ألفاه ـ قد تتقلص إلى ريالين، فلا تستغرب يا عيد، نعم قد يحدث هذا ولا تسأل من المسؤول، فلا يحق لك السؤال أصلاً، هو كذلك فقط، عليك أن ترضخ بصمت وأن تحدث بياناتك أسبوعياً بصمت، حتى لا تنخفض إعانتك الشهرية بصمت، وإن كنت من ساكني القرى ولا تملك شبكة "إنترنت" فأعانك الله على السفر أسبوعيا لأقرب مدينة للتحديث أو تكون من الخاسرين.
خريجات بلا عمل.. وأرامل بلا مأوى.. وإمام المسجد بعد الصلاة يلقن الناس دعاءها، هذا شيعي وهذا سني، وذاك طفل وحيد في زاوية المدينة يصرخ بأنه جائع.. يريد كتابة الأيام، يريد وصفاً للمواجع، أتعلم يا عيد أن لذكراك وقع النصل على أعناق الفقراء فقط، لأنهم يريدون رغيف خبز أو كسوة لك، وبأن فيك تتجدد كل تقاليدهم وطقوسهم المؤيدة للتوحد والعزلة، والمنددة بكل ما هو نابض بالحياة، حيث إن خطيئتهم الكبرى أنهم ما زالوا أحياء في ظل مجتمع يعاني وطأة الفساد، فهذا المجتمع المتمدن النابض بالرقي والجشع يرهقه وجود الفقراء.
هل علمت يا عيد بأن الفقر مل من أرواحنا التعيسة؟ وفقد الأمل بالهجرة إلى أرواح ذات غنى وترف، لأن حب المال سيطر على أرواحهم الجشعة وأعمى قلوبهم وأبصــارهم، فما نراهم إلا مشغولين في زيادة ثرواتهم وممتلكـاتهم الشخصية، غارقين في الكماليات لا يقدرون على التوقف لحظة واحدة للتفكير في أمنيات الفقراء.
أعلمت يا عيد أن هناك من التجار من يستغلك ورمضان وأي زيادة بسيطة في رواتب الموظفين ليسرع في زيادة مُبالغ فيها على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية؟ وبأن هناك جمعية غير مرئية تسمى جمعية حماية المستهلك، نعم نحن نسمع بها ولا نراها، وننتظر معجزة إلهية تظهرها على سطح الواقع لتحمينا من استغلالهم وجشعهم.
أتعود يا عيد وذلك الشرخ ما زال يتسع ويتسع في الجدار منذراً بالويل، والطائفية نخرتنا نخراً، والعنصرية المناطقية باتت تدخلنا الجنة فأنت من الفرقة الناجية إن كنت من أهل نجد وأتباعهم.
وتعنيف المرأة مستمر وتعذيب الأطفال في تقدم والجمعيات الحقوقية تغط في نوم عميق ومراكز الرعاية الاجتماعية تحتاج إلى من يرعاها ويحسن من وضعها البائس، فلباس اليأس بين حسرة الماضي والواقع المسلوب عرى هيمنة الأيام على مصائرنا، قهر لا ينتهي وشر لا يكاد يرى، وقلوب لم تعد ترى ولا تبصر.
"عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ" حالم عالمك كان أيها العيد، وحالم أنت كنت حتى سقطت سقطتك الأخيرة كما لا يسقط الحالمون، تجمدت حد الموت فتجاوزت بكثرة خيبات السنوات الماضية كل المشاعر، التجاوز الخاطئ لا يقتل دائما، أحيانا يجعلك تصل بسرعة، هذه المرة أنا وصلت بشكل أسرع إلى حقيقة مفادها: الحرمان قيد في سجن الحياة.
فعد يا عيد.. عد ولكن بفرحك السابق، ولا تحرم أحدا الإحساس بالأمن والأمان، حتى ذلك الطفل المحروم القاعد على ركبتيه يستجدي السماء أن تمطر فرحاً فيك.