بداية أجدد المباركة للعالم الإسلامي كله على قرب تأسيس مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية، الذي دعا له خادم الحرمين الشريفين في افتتاح قمة التضامن الإسلامي بمكة المكرمة مؤخراً، سائلاً الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يمنع بذلك عن المسلمين كل فتنةٍ وفرقة.. الأحاديث المسلسلة أمرٌ يعرفه طلاب العلم الشرعي الذين تميزوا بطلب العلم عن طريق ملازمة العلماء، وليس بطريقة الطلب عن بُعد بسماع الأشرطة والتنقل بين المواقع للقص ثم اللصق مثلاً. ويعرِّف الإمام السيوطي في كتابه الشهير (تدريب الراوي) هذا النوع من الأحاديث بأنه: "ما تتابع رجال إسناده واحدًا فواحدًا على صفةٍ واحدة أو حالةٍ واحدة؛ للرواة تارة، وللرواية تارة أخرى.. وصفاتُ الرواةِ وأحوالهم إما أقوال أو أفعال أو هما معاً، وصفاتُ الروايةِ إما أن تتعلق بصيغ الأداء أو بزمنها أو مكانها". ما يعنيني في هذا المقال هو المسلسل بالرواية بالصيغة الزمانية، وأقصد بذلك أن يجيز العالِم غيره بالحديث المسلسل (بيوم العيد)، كما سمعه عمن سبقه في (يوم العيد)، وذاك كما سمعه عمن فوقه أيضاً في (يوم العيد)، وتستمر السلسلة بالسماع لنفس النص من عالمٍ إلى عالم؛ كلُّ واحد يقول: "حدَّثَني فلانٌ في يومِ عيدٍ" إلى التابعي الجليل عطاء بن رباح الذي قال أخبرنا ابن عباس "في يوم عيد" قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد أو أضحى، فلما فرغ من الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: "أيها الناس قد أصبتم خيراً فمن أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم حتى يشهد الخطبة فليقم".
للأحاديث المسلسلة والإجازة بها أهمية كبيرة في صيانة النصوص وحفظها، وأهمية عظمى في كشف طالب العلم الذي تعب على نفسه، وصبر وصابر، وهي طريقة لم تكن معروفة قبل الإسلام، وتستعمل في القرآن الكريم والحديث الشريف وسائر الكتب الشرعية كالتفسير وغيره. و(يوم غد) سيقوم كثيرٌ من العلماء في أنحاء العالم بإسماع من يعايدهم الحديثَ الشريف السابق؛ يؤكدون بذلك على الأهمية الكبرى لعلم الإسناد.. يقول الإمام عبدالله بن المبارك في أوائل صحيح مسلم: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
ويقول الإمام الشافعي: الذي يطلب الحديث بلا سند كحاطب ليل؛ يحمل حزمة الحطب وفيه أفعى وهو لا يدري.
ويقول الإمام يحيى بن معين: الإسناد العالي قربٌ إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ويقول الإمام النووي: الأسانيد من المهمات المطلوبات، وشيوخ الإنسان في العلم آباؤه في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين. ويقول آخرون: الإسناد من خصائص الأمة المحمدية، وهو لطالب العلم كالسيف للمقاتل، وكالسلم يُصعد عليه.
أتمنى على مشائخ العلم الشريف وخطباء العيد الذين سَمعوا (الحديث المسلسل بيوم العيد) كابراً عن كابر أن يُسمعوا الناس غداً هذا الحديث الشريف ويجيزوهم به، ويعرفوهم قيمة أن يطوي الإنسان المسافات الزمنية بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أتمنى عليهم أن يطالبوا الناس بالفرح بإتمام فريضة الصوم، وأن يؤجلوا التباكي على الحال، وصلى الله على سيدنا محمد الذي فرح بالعيد رغم وجود المستضعفين خارج المدينة، وأذن باللهو واللعب، ومنع من أراد المنع.. تقبل الله من الجميع، وأعادكم إلى أمثاله في سرور وحبور.