إن التقدم التقني والمتسارع في مجال الاتصالات في المملكة العربية السعودية يجعلنا فخورين بما وصلت له شركات الاتصالات السعودية والشركات الخليجية من تقدم في الخدمات في مختلف مجالات تقنية الاتصالات. والحقيقة لا بد لنا أن نسجل هذا التقدم التقني على قائمة مجالات التطور في بلادنا والذي كان نتيجة تحرير قطاع الاتصالات من إدارة وتشغيل القطاع الحكومي إلى إدارة وتشغيل القطاع الخاص، الذي كان وراء من اتخذ الإجراءات التنفيذية الفعلية لتحقيقه معالي الوزير الدكتور علي بن طلال الجهني وزير البرق والبريد والهاتف سابقاً، والذي استطاع أن يحقق هذه النقلة الحضارية في مجال الاتصالات التي ساهمت في تطوير العديد من الخدمات الإلكترونية المقدمة من قبل بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات والبنوك التجارية والمؤسسات التعليمية الجامعية، ومع تطور التقنية في مختلف المجالات إلا أن هناك تطورا آخر في مجال تقنية الاستخدام غير القانوني والسلبي والضار بالخدمات وبالمصالح الرسمية والخاصة، وبقدر الجهود التي تبذل من قبل الباحثين والعلماء والمفكرين لتطوير التقنيات إلا أن هناك من يسخر علمه وفكره لاختراق التقنية الحديثة واستخدامها في الاتجاه المعاكس والهدام، رغم أن هدف مطوري التقنية الآلية هو استخدام التقنية لمحاربة الفساد الإداري والمالي، وتخفيف أخطاء البشر وتسهيل الخدمات للمواطنين والعملاء.

ونتيجة لهذا التطور التقني في قطاع الاتصالات ظهرت القضية التي أعرضها اليوم وأطرحها، وقد لا أكون أول من يتعرض لها علناً، وإنما تطور التقنية في سرقة خدمات الاتصالات في المملكة يدفعني لطرحها في الصحافة بعد أن بدأت تمس اقتصاديات بعض الشركات السعودية الكبيرة، وبعد أن نجح لصوص التقنية المتطورة في داخل المملكة وخارجها واستطاعوا أن يخترقوا أنظمة الاتصالات في شركات الاتصالات السعودية واستطاعوا أن يخترقوا أنظمة الاتصالات المتطورة التي تنفذها شركات سعودية لحساب القطاع الخاص بتوجيه وتوصية من شركات الاتصالات السعودية، ولم تستطع شركات الاتصالات السعودية حماية عملائها من الشركات السعودية الكبيرة ولم تعمل على إنشاء أو تطوير التقنية لحماية أنظمة الاتصالات الخاصة في الشركات السعودية، ونتيجة لهذا استطاع بعض لصوص الاتصالات الدولية الدخول على خطوط بعض الشركات الخاصة في بعض المجالات الطبية والتعليمية وبعض الصناعات البتروكيماوية والتي فوجئت بمطالبة شركات الاتصالات بفواتير تجاوزت الملايين لفترة شهر أو شهرين على خطوط هواتف باسم الشركات ولكنها غير مستخدمة من موظفيها أو فروعها، وفي فترات بعد منتصف الليل، وفي أوقات وأيام الإجازات الأسبوعية والسنوية، ومع بعض الدول التي لا صلة أو علاقة تعامل معها ومع بعض المؤسسات الدولية التي تبث الرذيلة لشبابنا المسلم، وذلك من خلال تقنية متطورة تخترق بها بعض السنترالات الخاصة أو بعض الارقام الخاصة في المملكة.

ورغم تضرر الشركات وتقديمها إثباتات موثقة بعدم صلتها بهذه الاتصالات ترفض شركات الاتصالات السعودية الحوار وتصر أن تلزم العملاء المتضررين بالدفع أولاً والحوار فيما بعد، وهي سياسة غير عادلة وظالمة ومجحفة في حق العملاء ويضيع العملاء الذين لاذنب لهم بين شركة الاتصالات وبين الشركة السعودية المنفذة لشبكات وأنظمة تقنية الاتصالات.

إنها قضية عانى منها الأفراد قبل الشركات، ولم يجدوا من يدعم موقفهم، وأخذ البعض من عملاء الهواتف النقالة في الانتقال من شركة إلى شركة أخرى، ووقفت أنظمة الدولة حمايةً لحقوق شركات الاتصالات ووصل بعض أنواع هذه الحماية إلى منع المتأخرين عن السداد من السفر ووضعهم في القائمة السوداء للعملاء، ولم يحمِ النظام العملاء أفرادا وشركات من ظلم وإجحاف شركات الاتصالات، ومع تقديري واعتزازي بهيئة الاتصالات وبالقائمين عليها إلا أنني أطالب الهيئة بمزيد من الرقابة على شركات الاتصالات وتوسيع دائرة تظلمات العملاء، ومطالبة شركات الاتصالات بحماية عملائها من لصوص تقنية الاتصالات الدوليين والمحليين، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال.

ولا أعلم لماذا نحن الأكثر استهدافاً بهذه السرقات الدولية في مجال الاتصالات؟ وهل السبب هو ضعف أنظمة الرقابة في شركات الاتصالات؟ أم ضعف في الأنظمة والأجهزة المستخدمة؟ أم إن هناك فسادا بشريا في شركات الاتصالات أو الشركات المنفذة؟ علماً أن هذه القضية مفتوح ملفها لدى الأجهزة الرسمية السعودية وهناك وجهات نظر متباينة بين الأطراف المعنية، ولكن شركات الاتصالات تصر على موقفها في ضمان حقوقها أولاً قبل معالجة القضية، ولا تنظر إلى المصلحة العامة ولا تجتهد لإنشاء أجهزة لحماية أنظمة الاتصالات السعودية.

لقد تطورت تقنية السرقات، فلم يعد الأمر هو البحث عن السارق كفرد وإلقاء القبض عليه، حيث لم يعد السارق داخل البلاد، فمع تطور التقنية أصبح اللصوص يمارسون نشاطهم من خارج المملكة، ومن خلال أجهزة تقنية متطورة، فسرقة البنوك والحسابات الخاصة الإلكترونية وسرقة أرقام البطاقات الائتمانية وسرقة المعلومات السرية وسرقة التقنية والابتكارات جميعها أصبحت من أحدث خطط سرقة التقنية المتطورة الإلكترونية.

لقد عانى مشغلو القنوات الفضائية المشفرة أكبر معاناة من لصوص فك القنوات المشفرة، واشتهر السوق السعودي بخبراء فك الشفرة للقنوات الفضائية، وأخشى أن يتطور الأمر إلى أبعد من ذلك إذا لم تُربط مشاريع التقنية الحديثة بنظم رقابية تقنية متطورة ومستمرة تمنع الاختراق الإلكتروني، لأن لصوص التقنية يتابعون باستمرار كل جديد في مجال التقنية، وفي وجهة نظري إن هذه مسؤولية وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة الاتصالات وشركات الاتصالات في تجنيد جهودهم لإنشاء جهاز متخصص لمراقبة ومتابعة استخدام تقنية المعلومات الحديثة سواء في مجال الاتصالات أو الحكومة الإلكترونية، وأقترح تفعيل نظامي المعاملات الإلكترونية الصادرين عام 1428 وإصدار نظام تجريم سرقة الاتصالات الإلكترونية والتعاون مع الدول المطبق فيها نظام سرقة الاتصالات السعودية. وإذا استطاع لصوص الاتصالات اختراق أنظمة الاتصالات السعودية فإنني أخشى أن يستطيع لصوص المعلومات السرية اختراق أسرار نظام الحكومة الإلكترونية.