إكمالاً لمقال الأسبوع الماضي، وانطلاقاً من إيماني بدور مدربي المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني حجر زاوية المؤسسة ويشكلون صياغةً مع المتدربين عمادها الذي إن غاب أو همش دوره فإن كيان المؤسسة لن يكون له أي إنجاز في ميدان مستقبل معرفة ووطن وإكمالاً لنثر سلة بعض من همومهم.
أولاً: حرمان المدربين من حقوقهم المعرفية في إكمال مرحلة الدكتوراه وهذا يتعارض مع ميزانية المؤسسة والسياسة العامة لوطننا المعطاء الذي يواكب عصر خادم الحرمين الشريفين المعرفي وتوسع برامجه يحفظه الله للابتعاث بل وتعداه إلى فتح آفاق المعرفة والخبرة والسماح لكل الوزارات بالتوسع في عدد مقاعد منسوبيها في الابتعاث الداخلي أو الخارجي!
وحاولت أن أجد سبباً مقنعاً كغيري من طموح المؤسسة في تجميد برنامج الابتعاث لإكمال الدكتوراه، فلم أجد سبباً مقنعاً، فلو حاولت المؤسسة حصر المتمكنين فكراً وعلماً ممن تسمح لهم ظروفهم بإكمال دراسة الدكتوراه فأتوقع أن العدد لن يكون كبيراً، فما الذي يضير المؤسسة عندما يكون بعض منسوبيها من حملة الدكتوراه، بل أجزم أنه فخر ومنح لقوة علمية ومهنية لكيانها ولمنسوبيها وازدياد في تقديرهم وانتمائهم، فهل ضر وزارة التربية والتعليم العدد الهائل لديها من حملة الماجستير والدكتوراه الذين مازالوا وقوفاً في فصولهم أو على كراسي إدارة مدرسة! هذا التجميد أدى إلى دراسة البعض على حسابهم الخاص وبعضاً منهم حصل على مؤهل الماجستير من جامعات سعودية، ولكن المؤسسة لم تعترف وتجيز هذه المؤهلات بسبب (عدم ملاءمة التخصص وعدم امتداد الماجستير للتخصص في البكالوريوس لأن الماجستير في التربية) فياعجباً إن كان أغلب قيادات المؤسسة لا يحملون سوى مؤهلات (تربوية) وأطروحات الدكتوراة (فقط) في (التعليم) التقني وتجد بعضهم تعدى إلى دكتوراه في (النحو والصرف) و(علم الاجتماع)!!.
ثانياً: هناك هضم لحقوق الكوادر في الدورات الخارجية بدءاً من التعهد الذي تقره المؤسسة على ما يخالف قرار مجلس الخدمة المدنية بعدم مطالبتها بالمزايا أو البدلات المقررة في أنظمة الخدمة المدنية أو لوائحها الخاصة بدرجة الإركاب بإسقاط حقوقهم في المطالبة بهذه المزايا أمام الجهات الحكومية والقضائية بما فيها ديوان المظالم والاكتفاء بما يتم تخصيصه من قبل لجنة التدريب والابتعاث من درجة الإركاب السفر الدولية، ويا ترى هل يتم إخضاع كل من ينتدب من غير المدربين على تلك التعهدات التعسفية سواء الانتدابات الداخلية أو الخارجية؟
ثالثاً: وإن كنت أعده (أولاً) المتدربون عماد المؤسسة وأساس العملية التدريبية وما يلحق بهم من عناء ومشقة بعد التخرج في استقطاب توظيفهم أو إكمال دراستهم فإن نظرنا للتأهيل الأكاديمي فينتظر خريجو الكليات التقنية دبلوماً غير معترف به داخلياً وليس لحامله أي فرصة في إكمال دراسة البكالوريوس إلا عن طريق الكلية التقنية بالرياض المتفردة بمنح هذه الدرجة ومع ذلك فشهادتها هي الأخرى غير معترف بها عند إكمال درجة الماجستير لعدم كفاية تأهيلهم (علمياًّ) المعتمد على النواحي التطبيقية ولافتقاره إلى المهارات التحليلية والنظرية.
أما القطاع الخاص فالشركات الكبرى مثل أرامكو وسابك وغيرها مازالت تُخضع خريجي الكليات التقنية إلى إعادة تأهيل لا يقل عن عام إلى عامين، أما القطاعات الخاصة الأخرى فلا توظفهم إلا بمرتبات متدنية أو لإكمال ملفات السعودة فرجال الأعمال لا يثقون بالمخرجات ورغم ذلك يخرج محافظ المؤسسة مدافعاً عنهم في تصريح له لـ"الوطن" قبل نحو أسبوعين ويقول: "تهرب رجال الأعمال من توظيف السعوديين غير موجود حاليًا"!!
رابعاً: هناك عزوف شديد عن الالتحاق بالكليات خصوصاً بعد أن تم افتتاح جامعات كثيرة استوعبت أعداداً كبيرة من الخريجين ولا أعلم كيف سيكون هناك طلاب؟ لاسيما مع وعد وزير التعليم العالي بقبول أكبر عدد من خريجي الثانوية العامة هذا العام!
فلم يبق للمؤسسة مع الإخفاق التعليمي الذي تعيشه إلا أن تبلغ نسبة القبول لمعدلات متدنية لخريجي الثانوية لكلياتها ولبعض وحداتها المعطلة، أو بإعادة قيد المتعثرين دراسياً كي لا تكون الكليات (المنتشرة) فارغة من الطلاب!
القناعة العلمية والأكاديمية تحتم ضرورة تغيير المؤسسة لفلسفتها في جميع برامجها ووحداتها وأن تعيد النظر في منح منسوبيها حقوقهم بما يتناسب مع طموحاتهم وأن تعيد هوية (التعليم) إلى مناهجها، أما القناعة الأكبر فأعتقد أن أي تعليم فوق المرحلة الثانوية يجب أن تشرف عليه "التعليم العالي" مثلما حصل في الكليات الصحية وكليات المعلمين وغيرها فعلاج الكليات التقنية أن تنسلخ من كيان المؤسسة حتى وإن كانت تمثل أكثر من ثلثي حجم المؤسسة، إذ إنه في حال تولي وزارة التعليم العالي الإشراف على التدريب التقني والمهني فسنضمن علاجاً يبدأ من التعليم فالتدريب فالتطوير وهذا ما أتمنى من (مجلس الشورى) الموقر تبنيه ودراسته والخروج بنتائج تهتم بوقف استنزاف الوطن وماله وشبابه من خلال رميهم في بوتقة البطالة.