أربعة مواسم وأربع مناسبات، تمر على رب الأسرة السعودي كفيلة أن ترهقه وتنظف جيبه وتحمله ما لا يطيق، فهي تبدأ مباشرة حين تغلق المدارس أبوابها ليكون الأب في مواجهة الإجازة وتكاليفها، فأبناؤه يريدون السفر والسياحة والفسحة والملاهي وغيرها، إضافة إلى ما يتخلل الإجازة من مناسبات وأفراح كثيرة تكلف الأسرة مصاريف ضخمة.

وما أن يتنفس رب الأسرة حتى يقبل عليه موسم شهر رمضان الذي يحتاج معه لفصل جديد من المصاريف الكبيرة بسبب خصوصية الشهر وطبيعة التغير في نمطه المعيشي والاجتماعي، وبعدها يهجم عليه العيد ليكون أمام مصاريف جديدة وكسوات ضرورية وملابس ومصاريف ترفيه وسفر وغيرها، وما أن تنقضي فرحة العيد التي تنسي الهموم والالتزامات حتى تبدأ الدراسة في يومها الأول، فيكون الأب أمام مسؤولية مصاريف المدارس ومستلزمات التعليم، هذا إن لم يكن الأبناء يدرسـون في مدارس خاصة فيحتاج إلى دفع رسـوم كبيرة.

هذه المواسم المتراصة والمتعاقبة في وقت قصير تكلف الإنسان منا ما لا يطيق، وتجعله أمام وضـع محرج فهي مصاريف لا يقوى عليها إلا الأثرياء من الناس، وأما أصحاب الرواتب المتوسطة فإنها تمر عليهم وهم في حالة من القلق والضغط والهم، وتلجئهم إلى الاستدانات والتقسيط والقروض التي تدخلهم في دوامات من الالتزامات التي ربما يموتون وقد ورثوها لأبنائهم.

إن الإشكالية الكبرى في هذا الزمن ليس فقط في تحقيق الضرورات الحياتية للأسرة، بل في توسع الناس في الكماليات التي تضاعف التكلفة والتبعة على أرباب الأسر، وهي التي تلجئ كذلك الأسر المتوسطة إلى زيادة المطالب واستجداء الناس، ولربما اضطر البعض إلى بذل طرق غير شرعية في التحصل على المال بسبب هذا الضغط الكبير وخاصة في الحواضر الكبيرة التي تكون فيها التكاليف أضعاف التكاليف في المدن الصغيرة والمتوسطة.

الصرف في هذه المواسم ربما هو ضعف ما يصرفه الإنسان بقية أشهر السنة، وهذا يتطلب من الجميع العمل على إيجاد حلول تخفف من هذا النزيف المالي الكبير، وتتيح فرصة لأرباب الأسر ليرتبوا أوضاعهم المالية، وهو يحتاج كذلك إلى التفكير في إيجاد طرق لدعم الأسر في هذه المواسم من خلال برامج إعانة حكومية تخفف الأعباء سواء من خلال ترتيب زمني للمواسم من حيث ابتداء الدراسة وانتهائها، أو من خلال المساعدات التي تعين على تحمل تكاليف المعيشة والدراسة، لأن انعكاسات هذا الوضع في المستقبل على طبيعة الاستقرار الأسري خطيرة ولربما خلقت مشكلات اجتماعية تتضخم مع الوقت لتكون عيية عن الحل.

كما أن من الحلول الاستراتيجية المهمة في هذا الصدد تكثيف الحملات التوعوية لضرورة الاقتصاد وعدم التوسع في الكماليات التي تشكل العبء الأكبر على كاهل المسؤولين، وعقد الدورات المهمة لأرباب وربات البيوت، وإيجاد الحلول السياحية الميسرة للناس حتى يتم الإسهام في تقليل هذه التكاليف الكبيرة.

إن المسـؤولية الاجتماعية تقع على عاتق الأب في الدرجة الأولى، حيث يحتاج إلى أن يكون حازماً في ترتيب قضية الصرف وترتيب الأولويات، وتغليب المصلحة والعقل على العاطفة التي تجعله يستجيب لكل متطلبات الأبناء، فيدخل نفسه في مآزق كبيرة بسبب هذا الجانب، ورسم البرامج الدقـيقة للمـصروفات حتى يخـفف عن نفسه الأعباء طول السـنة، فإن المال نعمة عظيمة من الله تعـالى يحتاج إلى شكر ورعاية، والشريعة قد نهت عن "الإسراف والتبذير" (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)، والتوسط في هذا مطلب يحتاج إلى رعاية (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).