كان يشير (بلسانه) إلى ذلك الطفل الصغير الذي يقارب العامين اليوم، وهو يملأ المكان صحة وبهجة مثلما يملأ ثيابه إفراطاً في سمنة محبوبة لطفل وصل إلى هذه الحال بمعجزة. والقصة أن الطفل ذاته ولد قبل ما يقرب من العامين ـ خديجاً ـ بعدة مشاكل صحية وطبية، ومثلما يقول خاله الطبيب أيضاً: ذلك كان بفضل الله ثم بفضل استشاري الأطفال الدكتور ـ إبراهيم الحفظي ـ الذي صنع من حضانة الأطفال الخدج وحديثي الولادة بالمستشفى العسكري في خميس مشيط (قاعدة) طبية على أحدث المواصفات العالمية، وبأرقى المعايير والأجهزة والكوادر المتخصصة التي تبز أي منشأة صحية مماثلة، لا في المملكة فحسب بل على المنظومة الإقليمية. يقول لي الطبيب ذاته، إن هذا الطفل المحظوظ، لو كان في مكان آخر غير هذا المكان وبظروفه الصحية التي كان عليها لكان في عداد الراحلين، وكل شيء بقضاء الله وقدره. وفي اليومين الماضيين حاولت متابعة بعض التفاصيل حول هذه المنشأة، فوجدت كل الأيدي والألسنة تذهب إلى الاسم ذاته وتعود إلى الدكتور إبراهيم الحفظي ذاته الذي أنقذ حتى اللحظة حياة مئات الأطفال - بعد مشيئة الله - بصدفتين: لأنهم كانوا في المكان المناسب، والأخرى لأن المكان المناسب كان صدفة في يد نزيهة صادقة ومخلصة، وأكثر من هذا متخصصة وتريد أن تعمل. أنا لا أعرف الدكتور إبراهيم الحفظي ولم يسبق لي الحديث إليه أو اللقاء معه. مئات الأطفال الذين يدينون، ربما، بحياتهم له لا يعرفونه أيضاً، وقد لا يعرفونه للأبد، وهذه هي القيمة الأعلى والأغلى للإحسان والفضل.

السؤال الأهم: كم هم الذين جاؤوا في شتى مناحي العمل العام، وفي مختلف الوظائف والمناصب وتركوا للأجيال أثراً، وأكثر من هذا تركوا لأنفسهم قيمة يذكرها بهم الناس وتلهج بهم الألسنة. وللذين يتعذرون بالإمكانات والظروف سأذكر أن معلوماتي عن المنشأة السابقة تشير إلى أن ـ رجلها وصاحبها ـ قد ابتدأها في أسوأ أيام ظروفنا الاقتصادية قبل عقد من الزمن، وبدأ فيها مجاهداً وحيداً من الصفر، ولم يكن يومها أيضاً إدارياً ولا مسؤولاً ولا صاحب قرار كي تساعده هذه الوسائل على المهمة. لكنه كان وطنياً غيوراً ومتعلماً متخصصاً يملك إرادة التغيير ويملك الضمير الحي، وأنا اليوم لا أكتب عن أجهزة طبية متناثرة يستطيع المال الوفير اليوم أن يشتريها في غمضة عين. أنا أكتب عن حياة مئات الأطفال وعن ضحكة مئات الأمهات بدغدغة وجنات طفل كتبت له الحياة بإرادة الله ثم باسم مجهول اسمه إبراهيم الحفظي.