في المقالة الماضية، كانت المقارنة بين قصيدتين، في رثاء الأم، للشاعرين أحمد عسيري، وعلي آل عمر عسيري ـ رحمه الله ـ وهما من جيل واحد، وثقافة واحدة.

وبين يدي قصيدة أخرى في رثاء الأم، للشاعر إبراهيم طالع الألمعي، الذي يجعل من رثائها رثاء لكل الأمهات، حين يصدر قصيدته بقوله: "إلى كل الفاطمات". وهي – موسيقيا - أكثر تقدما ونضجا من سابقتيها، وذلك بدهي عند النظر إلى زمني الإنشاء والنشر؛ فالقصيدتان نشرتا سنة 1404، أي بعد سبع سنوات فقط من صدور أول ديوان تفعيلي في الشعر السعودي، بينما أنشأ إبراهيم طالع قصيدته سنة 1430، وفيها يراوح بين القصيدة التناظرية العمودية، والقصيدة التفعيلية، مراوحة لم تؤثر في الوحدة العضوية للنص، لأنه يعمد إلى تكرار ألفاظ مقدمة القصيدة، في بدايات مقاطعها، تكرارا يوحد الأجواء الشعورية للقصيدة، كما لم تحدث هذه المراوحة خللا في موسيقا القصيدة، لأنه يستعمل تفعيلة "مستفعلن" نفسها، في الشكلين.

والمتأمل في القصيدة، يلحظ أن الشاعر جعل من موت أمه موتا للجمال المتمثل في القصيدة، فكفن قصيدته ودفنها، كما كفن أمه ودفنها، مما يحيل إلى حالة متقدمة من اليأس، وفقدان الأمل في القدرة على الإبداع بعد موت الأم الملهمة، ويؤيد ذلك أنه يربط غيابها بغياب الغناء، وفي ذلك معنيان: أحدهما؛ إيماءة إلى غياب البهجة التي كانت أمه تشيعها بغنائها، والآخر؛ غياب قدرته هو على الغناء بعدها، يقول:

كفـنـتها

قصيدتي

وا فاطمة

ومع الحياة كتبتها بدم الفناء، حروفها في كل دمع ساجمة

وغزلت منها كل حرف فاطمة

إلى أن يقول:

كفنتها

قصيدتي

وافاطمة

وكسوتها كفنا رخيصا، حين كانت كل يوم بسمة أو دعوة أو غنوة تشدو على أوتار دهري حين غل نسائمه..

وتشيع في هذه القصيدة الألفاظ المتعلقة بالموت والدفن، مثل: "كفنتها، دم، الفناء، وسدت، حنوطها، اللحود، الموت، سكراته، كفنا رخيصا"، مما يجعل من قضية الموت حاضرة بوصفها ألما مركبا بالنسبة إلى شاعر فقد أمه، ويشي بدرجة عالية من الحزن الممزوج بالتأمل، كما تظهر فيها عاطفتا: الحب والفقد، من خلال ظمأ عمره بعدها، وشوقه إليها منذ دفنها، وتصويره تقبيله ما بين اللحود ورأسها، وإشفاقه ورفقه بها حتى بعد أن صارت جسدا لا روح فيه.

ويمكن من خلال المقارنات، بين نصوص تتحد في موضوعاتها وتجاربها الشعورية، الوصول إلى نتائج مفيدة، من حيث التطور الذي طرأ على القصيدة السعودية، سواء أكان ذلك على مستوى البناء، أم على مستوى اللغة، أم على مستوى الموسيقا، وهو الواضح من خلال وضع هذا النص، والنصين السابقين على صفحة واحدة.

نص "وا فاطمة"، لإبراهيم طالع، نص "مُستتبِع"، له ما وراءه من النصوص الشعرية والنثرية التي كتبها أصدقاؤه، فهل يجمعها لتكون "فاطمة" أما للأجيال؟