تنص المادة الأولى من نظام مجلس الأمن الوطني السعودي إلى أن المجلس يهدف إلى المحافظة على المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية وحمايتها وتنميتها في ضوء تصور استراتيجي شامل، وتقويم واقعي للأوضاع الداخلية والخارجية ذات التأثير والأهمية على أمن المملكة ووحدة أراضيها، وسلامة شعبها واستمرار مصالحها، وذلك وفقا لما هو منصوص عليه في هذا النظام. وكما هو معلوم، فإن وزارة الصحة هي أحد أعضاء المجموعة الوزارية الاجتماعية في منظومة الأمن الوطني، وتعد من أبرز الوزارات المعاونة بمسارات اتصالية متعددة مع الوزارات السيادية ومجلس الأمن الوطني السعودي. ومع ذلك فإن وزارة الصحة وبتوقيعها أحد العقود مؤخرا، قد تتحول من ثغر إلى ثغرة تهدد الأمن الوطني.
نشرت صحيفة عرب نيوز في عددها الصادر يوم الجمعة 11 مايو 2012 خبرا مفاده أن المملكة ممثلة بوزارة الصحة وقعت اتفاقا مدته خمس سنوات مع معهد من الولايات المتحدة الأميركية ليقوم بتحليل معدلات الوفيات وتقييم عبء الأمراض في المملكة العربية السعودية. ذكر الخبر أن المشروع سيتم تمويله بمنحة تبلغ قيمتها 37 مليون ريال سعودي، ويهدف إلى إنشاء نظام ترصد للحالة الصحية للسكان مما يساعد في إصلاح أولويات الصحة وسياساتها المستقبلية. نظام الترصد هذا سيتم تنفيذه من قبل الفريق "الأميركي" حيث سيقوم هذا النظام بربط كل ما هو متاح من مصادر البيانات الصحية بما في ذلك سجلات المستشفيات، وسجلات الصيدليات وبيانات الأبحاث المسحية الصحية الوطنية.
لهذا المشروع ثلاث مراحل: المرحلة الأولى، سيقوم الفريق بإجراء دراسة مسحية وطنية عن عبء مجموعة من الأمراض الأساسية وعوامل الخطورة في المملكة، بحيث تكون نتائج هذه الدراسة هي خط الأساس الذي تبنى عليه السياسات الصحية. المرحلة الثانية عبارة عن تعزيز القدرات عن طريق تدريب الباحثين وصناع القرار على النظام في داخل المملكة وخارجها في الجامعة الأميركية التي يتبع لها هذا المعهد، انتهاء بالمرحلة الثالثة وهي عبارة عن دراسة مسحية محدودة العينة ذات دقة أعلى لتشمل أمراض وعوامل خطورة أخرى.
المشروع مهم وأحد مهام وزارة الصحة الأساسية ومصدر رئيسي للمعلومات الوطنية فكيف يتم منح حق الوصول لهذه البيانات لفريق خارجي غير وطني؟! وكيف يتم تجاهل وجود مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية التي من اختصاصها تنفيذ الدراسات والبحوث الطبية والصحية التنموية في المملكة بالتنسيق مع الأجهزة الحكومية، وبعضوية وزارة الصحة، لتبادل المعلومات ومنع الازدواجية في مجهوداتها؟!
هذا المشروع الوطني الذي وإن كان هدفه الأساسي تحديد عبء المرض وعوامل الخطورة إلا أنه لا يمكن تنفيذه من دون الوصول للمعلومات الديموغرافية لسكان المملكة، كأعمارهم وجنسهم وتوزيعهم المناطقي ووضعهم الاجتماعي ووضعهم الاقتصادي ومؤشراتهم الصحية التي تحدد احتياجاتهم ونقاط ضعفهم. منح حق الوصول لمجموعة البيانات هذه لفريق خارجي هو بمثابة خرق للأمن الوطني، وأهمية المشروع وشدة الحاجة إليه لا تبرر البتة إعطاء هذا الحق، فكان بالإمكان الاستفادة من خبرات هذا المعهد كمستشارين لا تنفيذيين بحيث يقومون بتدريب فريق وطني، إن دعت الحاجة لتدريبهم، على مجموعة بيانات وهمية.
الشفافية في المعلومات الصحية مطلب للجميع وننادي به ولكن عالميا، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية، لا يعطى حق الوصول لمجموعة البيانات الأساسية – أي المعلومات الفردية - ولا قواعدها لفرق بحث غير وطنية، وإنما تعطى تقارير دورية عن نتائج تحليل هذه البيانات بشكل مطبوع أو على مواقعهم الإلكترونية. المشاريع كهذه لا تتم إلا بفرق وطنية أو ببعثات مساعدة خارجية كما يحصل في الدول الأفريقية، وهو ما قام به هذا المعهد، حيث نفذ مشروعا مشابها ولكن بفريق أميركي في إحدى الولايات وقام بآخر في دولة أفريقية.
منح حق الوصول للبيانات الصحية الوطنية لمؤسسات أجنبية يصاحبه العديد من التبعات والمخاطر، فالإطلاع على بيانات المواطنين وتوزيعاتهم الجغرافية كما سيحصل في المرحلة الأولى من هذا المشروع، قد يؤدي لرفع أسعار الأدوية لأكثر الأمراض انتشارا حسب التوزيع المناطقي متى ما تم تسريب هذه المعلومات، بالإضافة لخطر هندسة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية على أساسها، خاصة في ظروف المرحلة الزمنية الحالية والسيناريوهات عديدة.
قد يأتي الرد من الوزارة أنه تم توقيع اتفاقية سرية معلومات مع المعهد، وهذا لا يعفي الوزارة من مسؤوليتها، فكيف سيتم التأكد من عدم خرقها من قبل فريق غير وطني سيستخدم الالتقاط الإلكتروني للبيانات، وسيبني قاعدة لها بنفسه حسب ما ذكر في موقعه الإلكتروني؟
تم نشر خبر المشروع في صحيفة عرب نيوز باللغة الإنجليزية بشكل تفصيلي كما نشر على موقع المعهد، وتم ذكره ضمنيا كبرنامج تعاون مشترك تحت خبر لقاء الوزير بوفد من المعهد بالصحف المحلية باللغة العربية.
الاستراتيجية الوطنية للمعلومات الصحية وأمنها لم تر النور حتى الآن، وهذا لا يبرر استغلال عدم وجودها، ولكن هذا المشروع دق ناقوس خطر المعلومات الصحية وارتباطها بالأمن الوطني، فكادر وزارة الصحة غير السعودي الذي يمثل حوالي 80? من أطباء وممرضين وفنيين وغيرهم لا يخولها بأن تعطي فريقا بحثيا أجنبيا حق الوصول لبيانات صحية من دون إذن مواطنين ليس بمقدورها حمايتهم من تبعاته.